المغسولة جيدًا
يدك امتدت قبل أن يدرك عقلك.
على معبر المشاة، كان يقف للإشارة الحمراء أقل من عشر ثوانٍ. سقطت الجدة ذات الشعر الأبيض إلى الوراء كورقة رقيقة، فاصطدم مؤخرة رأسها بالأرض، في صوتة أجشّ خفيض. كانت الدراجات الكهربائية المجاورة ما تزال تنتظر الإشارة، وأشجار الجانب تتمايل ذاتيتها، وفي تلك اللحظة، لم يتحرك سواك.
ركضت وركعت بجانبها، وحملتها من تحت إبطيها، وحرّكتها شيئًا فشيئًا إلى حافة الطريق، في ظل الشجرة، وأسندتها نصف جالسة إلى حافة حوض الزهور. مالت رأسها جانبًا، وبدأ الدم الأحمر اللامع ينتشر على البلاط الرمادي الباهت. أحمرٌ هادئ، هادئ كأنه حادثة لشخص آخر.
اتصلت بالطوارئ. كان صوت الموظفة شابًّا وهادئًا: «لا تحرّكي رأسها، وابحثي عن شيء نظيف تضعيه تحت مؤخرة رأسها.»
نظرت حولك. بعضهم توقف، وبعضهم التفّ مارًّا، ولا أحد يحمل شيئًا في يده. فكرت ثانيتين، ثم خلعت سترة الزي المدرسي، وثنيتها طبقة فوق طبقة حتى صارت مربعًا، ووضعتها بحذر تحت مؤخرة رأس الجدة.
كان صباح سبتمبر يحمل بقايا حرارة الصيف، وبعد نزع السترة لم يبقَ على جسدك إلا أكمام الزي القصيرة، فتسلل البرد إلى ذراعيك مع النسيم. تسرب الدم إلى القماش الأزرق، قطرةً بعد قطرة، وأنت تراقبه دون أن ترمش.
لو لم أمدّ يد العون وحدث لها مكروه، لحملتُ الندم ما حييت.
جاءت هذه الفكرة بلا صوت، كيدٍ خفيفة استقرت على ظهرك، وثبّتتك في مكانك.
◆
«يا بنتي، هل يمكن التواصل مع أهلها؟»
ربّتت العمّالة ذات القميص المزهر جالسةً إلى جانبك. لقد عبرت من الجهة المقابلة للطريق، وتدق كعباها بالأرض. كانت الجدة مغمضة العينين، وشحوبها رمادي. أخرجت العمّالة من حقيبتها القماشية هاتفًا قديمًا، واتصلت بالرقم المحفوظ باسم «الزوج»، وحين رُبط الاتصال أبلغت العنوان بصوتٍ يرتجف قليلًا، ثم أغلقت وربّتت على ظاهر يدك: «بنت طيبة، لا تخافي، سيصل سيارة الإسعاف حالًا.»
لم تكن خائفة. كنت فقط تحدّق في تلك البقعة الزرقاء، تراقبها تعمق شيئًا فشيئًا.
جاءت سيارة الإسعاف وصفاراتها تدوي. شدّد المسعفون طوقًا عنق الجدة، وبدّلوا الوسادة بوسادة معقّمة، وحملوها على النقالات. ذهبت لتلتقط السترة المشبعة بالدم من الأرض، فأمسكت العمّالة يدك: «سأحتفظ بها لك، فدراستك أهم. اتركي رقم هاتفك، فلعلّ أهلها يريدون البحث عنك لاحقًا، وسييسر ذلك الأمر.»
أدكت سلسلة من الأرقام، ورفعت حقيبتك وركضت نحو المدرسة. وبينما تركض، استعاد العالم سرعته المعتادة. الإشارة الحمراء إشارة حمراء، وأشجار الجانب أشجار جانب، لم يتغير شيء، إلا أن الأرض فقدت سترة وكسبت رقم هاتف.
◆
في الحصة الثانية تذكّرت السترة للتوّ.
سترة الزي الأزرق والأبيض، مطرّزة على صدرها باسم صفّك. في جيبها نصف علبة مناديل، وبضع قطع معدنية. لا بد أن الدم قد تقنّبها.
لم تؤسف على السترة. لكنك لم تستطع أن تكفّ عن إعادة الصباح في خيالك مرارًا وتكرارًا: الصوت الأجش، والبلاط الرمادي الباهت، والأحمر ينتشر شيئًا فشيئًا. قال المسعفون إن عليهم أخذها لتصوير أشعة، وظللت تتساءل عمّا ستُظهره تلك الصور.
رنّ جرس الاستراحة ولم تكن قد رتبت أفكارك بعد. ناصرك زميلك في المقعد: «ما بك؟ تبدو شاردة الذهن.»
قلت: لا شيء، لم أنم جيدًا.
بعض الأمور إن قيلت بدت كأنها طلبٌ للمدح. الأفضل أن تُبلعها وتتركها تترسّب شيئًا فشيئًا إلى شيءٍ آخر.
◆
بعد حصة المساء الذاتية، استدعاك مدير الصف إلى المكتب.
«جاء أحد اليوم إلى المدرسة خصيصًا ليمدحك.» أخرج المعلم هاتفه وأريك صورة: سترة زرقاء بيضاء ملقاة على مقعد الملاك في سيارة، وعليها بقعة داكنة صغيرة. «قالت هذه السيدة إنها رأتك بعينها تخلت عن سترتك لترفعي رأس العجوز وتمتصي الدم. قالت إنك رفضت ذكر اسمك، فلم تجد سوى أن تأتي إلى المدرسة.»
قال المعلم إنه في حفل رفع العلم الجمعة القادم سيُذكر اسمك وصفّك للمديح.
قلت: لا داعي، ليس هناك ما يستحق. نظر إليك المعلم ثم ضحك فجأة: «ليس هناك ما يستحق؟ إذن لأيّ غرض تركتِ رقم هاتفك؟»
لم تجد جوابًا.
عند عودتك إلى السكن الداخلي، ما إن أشعلت الهاتف حتى وصلتك رسالة من رقم مجهول:
«يا بنتي، أنا سيدة القميص المزهر. سترة الزي في سيارتي، والدم لا يُترك عليه، سأغسله جيدًا وأجففه تحت الشمس ثم تأتين لتأخذه. الطبيبة فحصت الجدة ولا خطر عليها، إنها تحت الملاحظة في المستشفى. نامي مبكرًا، ولا تشغلي بالك. بنت طيبة.»
قرأتها مرتين، وحفظت الرقم في دفترك تحت اسم: إنسان طيب.
انطفأت أضواء مبنى السكن مصباحًا بعد مصباح. في الظلام فكرت: الجدة لم يصبها ضرر. ثم فكرت: ما زالت هناك سترة. وعند هذه الفكرة نامت.
◆
في حفل رفع العلم يوم الجمعة، ذُكر اسمك واسم صفّك. تصاعدت تصفيقات الميدان موجةً تلو موجة. كنت واقفة في الصفوف، وأذناك تحمرّان، تتمنين لو كنت تستطيعين الاختباء داخل ياقة ثوبك.
بعد الحفل لامسك زميلك: «إذن ذلك شغفك وشرودك تلك الأيام كان لأجل هذا؟»
قلت: «نعم.» ثم أضفت: «الجدة قد تحسّنت.»
◆
صباح الأحد، ذهبت لتستلم السترة.
كانت العمّالة واقفة عند التقاطع المتفق عليه، وناولتك السترة بكلتا يديها. مغسولة نظيفة، مشمسة جيدًا، مطوية في مربعٍ محكم — تمامًا كالمربع الذي ثنّيتِه ذلك الصباح، لكنها تفوح برائحة الشمس.
«غسلتها مرتين، وتركتها تجف في الشمس يومين،» قالت العمّالة. «الدم لا يُترك. وكالجرح، لا ينبغي ترك أيٍّ منهما.»
أخذتها منك بكلتا يديك، كمن يستلم شيئًا أجزل قدرًا من السترة ذاتها.
قالت العمّالة إن الجدة خرجت من المستشفى. اتصل أهلها خصيصًا؛ لم يصبها شيء يُذكر، مجرد كدمة، لكنها لا تكفّ عن الحديث عن تلك الفتاة التي اعبرت عنها على معبر المشاة. وقالت إن العجوز أوصت خصيصًا: إن البنت أفسدت سترتها لأجل إنقاذها، فينبغي شراء سترة جديدة كتعويض، سترة سميكة تُلبس في الشتاء.
ضحكت وقلت: لا داعي، حقًا لا داعي، وما السترة في المقابل؟
نظرت إليك العمّالة قليلًا ثم قالت: «يا بنتي، أنتِ ترينها لا تستحق شيئًا، أما نحن فنحفظها جميعًا.»
◆
تلك السترة معلّقة الآن في خزانتك، كما كانت من قبل، وغير ذلك من قبل.
ذلك الصباح، ثنيتِ سترة كنتِ مستعدة لإتساخها، ووضعتها تحت رأس غريبة. وبعد أيام، غسلت سيدةٌ آثار الدم، وجففتها، وثنيتها، وأعادتها إليك سليمة كاملة.
ما زالت تلك السترة نفسها، غير أنها غُسلت حتى صارت أنظف مما كانت. وكذا الفتاة التي أنقذت الجدة صباحًا والسيّدة التي غسلت السترة لاحقًا؛ قبل ذلك لم يكونا يتعارفان، ولم يكن لكل منهما ما يقدمه للأخرى.
إذن هكذا تدور بعض الأشياء: إذا بذلتها، جاء أحد ليسلّمها إليك من جديد.
اللطف لم يكن يومًا طريقًا باتجاه واحد. إن وضعته تحت رأس غيرك، سيغسله العالم طاهرًا ويعيده إليك.
(هذا العمل مقتبس من وقائع حقيقية، وجميع الأسماء مستعارة.)
مستوحى من قصة حقيقية