لا يمكن أن نتجاهل
وماذا يريدون حقًا؟
حين طرأت عليك هذا السؤال، كنت قد جلست ليلة كاملة في غرفة الفندق بمدينة جينغنينغ. مسحت من الورقة أكثر من عشرة بدايات، ولم يبقَ سوى هالة صفراء من ضوء المصباح. كان حفل التكريم أول أمس بعد الظهر، لكن تلك الكلمات الأربع ما تزال ترنّ في أذنيك — لا يمكن أن نتجاهل. قالها امرأة مطوية طرفي بنطاليها، صعدت المنصة وقد ضاع مكان يديها، فظلّت تفركهما واحدة بالأخرى، كأنهما خرستا للتوّ من الماء ولم تجفّا بعد.
في الحقيقة، أنت تحمل هذا السؤال معك منذ ثلاثين عامًا. ثلاثين عامًا لم تجرؤ على نطقه، لأنك إن نطقته لسحب معه ذلك النهر.
ظلّت القاعة أول أمس ممتلئة حتى آخرها. مرّت الشاشة الكبيرة على مئة وخمسين اسمًا، وقرأت المذيعة كلمات التكريم ببطء شديد، كأنها تخشى أن تسرع فتظلم أحدًا. صعد الحاصلون على الجوائز واحدًا تلو الآخر، ولم يكن منهم من يجيد الحديث البليغ.
رجل مسنّ، من فئة من يسعى لخدمة الناس. سألوه كم سنة وهو يساعد، فقال إنه لا يذكر، ثم أضاف: «إذا بقي في الطبق لقمة، أقدّمها أولًا لغيري». بذلك النبرة العادية، كأنه يحدّث عمّا تناوله على الفطور.
امرأة، من فئة من يتدخّل عند البلاء. سألتها المذيعة: هل خفت حين نزلت إلى الماء؟ فركت يديها وتأملت قليلًا، ثم قالت: خفت. فكيف نزلت إذن؟ مسحت يديها على طرف ثوبها: «طفل يخبط في الماء، فمن يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي؟» ساد صمت للحظة، ثم بدأ أحدهم التصفيق فلم يعد يحتمل الكفّ. سألت المذيعة: وماذا لو صار الأمر مرة أخرى؟ فكّرت طويلًا، حتى كاد الميكروفون ينفد صبره نيابةً عنها، ثم لم تقل سوى: «لا يمكن أن نتجاهل».
أربع كلمات، قالها أخفّ ممّن قالوا من قبل.
كان في القاعة أيضًا من حرص على وعدٍ واحد عقودًا، ومن حمل أمرًا واحدًا في عمق عظامه — من تعلّق بالمنارة، وتعلّق بالمنبر، وتعلّق بدرّ الجبل. المعلّم الذي حرَس الجبل ثلاثين عامًا كان يبتسم مهما سألوه، ولم يقل في النهاية سوى: «ينادونني يا أستاذ، وهذا يكفيني». ومن جعل «ربّاني صغيرًا، أرعاه كبيرًا» عيشة يومه بيوم، سألوه: أتعِس؟ فتحيّر طويلًا ثم ردّ بالسؤال: وأي تعب هذا؟
وفي الفيلم القصير أيضًا صوروا المشاق. أحدهم تُهم بالمظلومة، فجلس على عتبة بابه نصف ليل؛ وآخر سأل نفسه في جوف الليل عما يريد. حين اشتعلت الأنوار، كان أولئك جالسين في القاعة، ولم يظهر على وجوههم ظُلم. طلع الصباح، فخرجوا كعادتهم. وأنت يا من تسجّل الأخبار، تدرك كم وزنًا ثقيلًا مدفونًا تحت كلمتي «كعادتهم».
لكن هذا ليس النهر الذي تريد أن تحكي عنه.
قبل ثلاثين عامًا، في الصيف، كنت في التاسعة.
النهر أعرض ممّا في ذاكرتك. ما تتذكره هو البرودة، تلك البرودة التي تنطلق من باطن القدمين صعودًا في لمح البصر؛ وصوت الماء وهو يملأ أذنك؛ والسماء تهتزّ على سطح الماء حتى تصير هالةً دوّارة. كنت تخرج ذراعيك وتضرب الماء، وعاجزًا عن الصراخ. أظلال الناس تتمايل على الشاطئ، ولم يجرؤ أحد على النزول.
ثم جاءت ذراعان أمسكتاك. كان كفّا ذلك الشخص خشِنين، وسحبك نحو الشاطئ وأنت تشتدّ القبض على قميصه المبلّل. خرجتَ إلى اليابسة، فضغط على بطنك حتى أخرج ما فيه من ماء، وحين رآك تبكي، فرك يديه — هكذا تمامًا، يفركهما — وتمتم بكلمة ما، ثم دار على عقبه ومضى.
خرجت أمك بسلة بيض تسير على طول الضفة باحثة، فلم تجده. قال أهل القرية كلهم إنهم لا يعرفونه، ولعلّه كان عابر سبيل.
ماذا قال حينها؟ كرّرت السؤال في رأسك مئات المرات طوال هذه السنين. والآن عرفت. لم يكن سوى ذلك القول: طفل يخبط في الماء، فمن يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي؟
حياتك هذه أُنقذت من تحت تلك الكلمات الأربع: لا يمكن أن نتجاهل. لكن ذاك الشخص، ليس على القائمة.
في منتصف الليل البارحة عدت إلى مكتبك، ولم تستطع الكتابة من جديد. ثم أدركت فجأة أين الخلل: أنت تحاول أن تستخرج لسؤال «ماذا يريدون؟» جوابًا، وهم لا يستطيعون تقديمه. أجوبتهم ليست على شفاههم، بل في أيامهم — في تلك اللقمة المتبقية في الطبق، وفي ثلاثين عامًا على درب الجبل، وفي تلك اللمحة في النهر.
في الصباح رحتَ إلى الزاوية لتتناول طبق نودلز لحم البقر. كان السوق الصباحي في أوج نشاطه، فانقلب نصف قفّة تفاح عند ركنٍ من الأركان، وسال التفاح على الأرض، وجلست صاحبة البسطة متوترة لا تعرف ما تصنع. تقدّمتَ فأقمت القفة أولًا، ثم ساعدتها في جمع التفاح حبةً حبة. وتوقفت أقدام كثيرة تباعًا: أحدهم ساعد في تثبيت الميزان، وآخر أورد صندوقًا كرتونيًا فارغًا. لم يقل أحد شيئًا، وحين انتهى الجمع، سرح كلٌّ في طريقه.
مرّت بجوارك دراجة كهربائية، مربوطًا خلفها قطعة قماش مشمع مثقّلة بنصف طوبة. فتذكّرت المشهد الذي لم يصوّره الفيلم: من يمسك مظلة فوق قطة ضالّة في ليلة ممطرة، ومن يرفع مسنًّا تحت ضوء عمود الإنارة، ومن يغرز مظلته في يد غريب ويركض مبلّلًا. لا أحد رآهم، ولا حاجة إلى أن يراه أحد.
على القائمة مئة وخمسون اسمًا. أما النهر الذي خارج القائمة، فقد رأيته أنت في السوق الصباحي.
عُدتَ إلى الفندق وأنهيت المقالة. كانت جملتها الأولى:
«قالوا كلهم: هذا لا يستحق الذكر.»
وكتبت أيضًا عن ذلك النهر منذ ثلاثين عامًا، وعن ذاك الشخص الذي لم يترك اسمه. وحين وصلت إلى الجملة الأخيرة، تبيّن لك الأمر حقًا: الخير كاليراعة، لا يضيء بعيدًا وحده؛ لكن حين تسقط شرارات اليَراع في النهر، واحدة تلو الأخرى، يضيء النهر كلّه، فلا يخاف العابرون.
ضغطتَ زر الإرسال.
من النافذة كان الفجر قد اكتمل ضياءً، وأصوات السوق الصباحي تتدفّق موجةً بعد موجة، تشبه صوت الماء.
هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية