البحر ليس حدودًا
أمواج المحيط الهندي، بيضاء كقطن الضمادات.
كانت هذه الكلمة لا أفهمها قديمًا. وُلدت في مدينة دار السلام، ونشأت على شاطئ البحر. اسم المدينة يعني في أصله «دار السلام». كانت الأمواج عني مجرد أمواج، والرغوة مجرد رغوة. ولم أرَ ذلك البياض بوضوح إلا بعد الخامس عشر من يونيو من العام الماضي — إنه القطن الذي يبدّل به السماء والأرض دواء البشر. لقد حملتني يومًا، وآخذت مني إنسانًا.
اسمي أمينة، وأعمل الخياطة. في ذلك اليوم كانت الشمس لاذعة، فأجلسرت أخي موسى على الرمال ليجمع الأصداف، ونزلت إلى الماء وحدي. كان الماء لطيفًا حتى بلغ خصرّي، ثم في خطوةٍ أبعد، مال القاع فجأةً إلى أسفل. أمسكني تيارٌ خفي وجرّني إلى الخارج. لم يكن هناك أيّ صوت.
لم أُكمل نصف صرخة حتى اندفع الماء في فمي. يداهن في الهواء، فما التقيت إلا بالماء. كانت السماء تهتز فوق رأسي، تتقلص إلى بقعةٍ صغيرة، تشبه عملةً فضية غارقة في قاع البحر. كانت صرخات موسى تصلني من بعيد، رقيقةً كصوت طائر بحري.
حين يغرق الإنسان، تتباطأ أفكاره. تذكرت قدر أمي، وفتاةً لم أُنهِ خياطتها، وموسى الذي لن يجد من يحكي له حكاية الليلة.
ثم رأيت يدًا.
انبثقت من الرغوة البيضاء، مفتوحةً، راسخة. حملتنا الموجة إلى مكانٍ واحد، فقبضت تلك اليد على ذراعي. كانت قويّة، غير قاسية، كوتدٍ يُربط إليه القارب في التيار العاصف؛ من يمسك به في الماء، يستقرّ قلبه نصف استقرار.
كان يسبح ويكلمُني. لم أعرف حرفًا من كلماته، لكن نغمته تشبه إيقاع الطبول: نبضة، نبضة، ثابتة. وعلمت لاحقًا معنى ما قاله: لا تخافي، أنا معكِ.
دفعني موقٍ إلى الأسفل، فرحلتني تلك اليد إلى الأعلى. موقٌ آخر، فرفعَتني. مرّر ذراعه عبر صدري، وساقني نحو الشاطئ. عبر الماء، كنت أسمع نبض قلبه: نبضة، نبضة، أثبتُّ من الموج.
تحرّكت أشباح الناس على الشاطئ. حلّ الصيادون حبال قواربهم، ونزلوا إلى الماء بعضهم يجرّ بعضًا لاستقبالنا. وعندما هاجم موجٌ أخير، رفعني بعون الله إلى أعلى — تلك الرفعة استنزفت كلّ ما في جسده من قوة. تحلّقت فوق الماء بأكملها، فسقطت بين أيادٍ كثيرة.
اضطجعت على الرمل، وقيء نصف فمٍ من الماء المالح، ثم التفتّ باحثةً عن تلك اليد.
كان سطح البحر أبيضَ مستويًا، لا شيء فيه.
نادى الناس اسمه. كان الاسم قصيرًا، فحمله الموج بعيدًا.
في مساء ذلك اليوم عرفتُ من هو. طبيبٌ جاء من وراء البحر، يُدعى شِن، قائدُ بعثةٍ طبية أتت لخدمة بلادنا. كان أهل المدينة يعرفونهم جميعًا. حمّى ابن الجيران خُفّضه الطبيب شِن، ومن أُصيب ليلًا بمرضٍ حاد في الحي، كان يُحمل إلى عيادتهم.
فجأة سحبني موسى وقال إنه كان قد رأى ذلك الرجل. في مايو، عند مدخل السوق، رجل طويل جامِسٌ على الأرض، أمام لهثٌ دميةٌ للتدريب، يعلم الناس كيف يضغطون الصدر: الكفّان فوق بعضهما، والذراعان ممدودتان: نبضة، نبضة. في البدء ضحك الناس، ثم توقّفوا عن الضحك، وتعلّموا واحدًا بعد واحد. كان موسى أجّدهم تعلّمًا، حتى أعطاه قطعة حلوى.
غصّ قلبي. في صباح ذلك اليوم، كان قد أنجز درسًا في الإسعاف الأولي بحيّنا. وبعد الظهر، نزل إلى البحر.
علّم طوال الصباح كيف يُنقذ الإنسانُ إنسانًا، وبعد الظهر ذهب لينقذ غريبًا، فلم يعد إلى الشاطئ.
في اليوم التاسع، أعاد إليه البحر. ألبسوه ثوبًا أبيض نظيفًا، واستلقى ساكنًا، كمن مضى في زيارةٍ مرضى بعيدةٍ جدًا ثم عاد. وفي يوم تشييعه، امتلأ الطريق الطويل بالناس: مرضاه، وتلاميذه، وشيوخٌ بيض الرؤوس دعوا له بالسلام على طقوسهم، وأطفالٌ رفعوا أزهار الياسمين الاستوائي. وقف رفاقه صفًّا واحدًا، ورفعوا أيديهم إلى حواجبهم، ولم ينزّلوها طويلًا. ووقفت أنا بعيدًا، عاقدةً بين يديّ فتاةً لم تُخَطّ بعد، أبكي حتى لم أستقم.
بعد ذلك، جاءتنا المترجمة الشابة تشِن لتزور أهل الحي الذين أنقذهم وكسرت قلوبهم. أخرجت هاتفها وأرانني آخر ما كتبه قبل موته. لم أقرأ كلّ حروفها، فقرأتْها لي تشِن كلمةً كلمة:
«أخدمُ الناس، لا حدودَ لذلك.»
سألت تشِن: ما معنى «حدود»؟ فكرت قليلًا ثم قالت: هي حافةُ البلد، إذا وصل الإنسان إلى الحافة، عليه أن يتوقف.
نظرت من النافذة إلى البحر. للبحر ساحلٌ بلا حافة. والموج يهجم ولا يكفّ عن الامتداد.
ما زالت العيادة قائمة. الجالس للعلاج فيها طبيبٌ شاب، وطابور الصيدلية ما زال طويلًا كالعادة. وما زالت دروس الإسعاف تُعقد، صارت تشِن تدرّسها، وأُضيف إليها مسعفون محليون، فلم تعد القاعة تتسع نهارًا، فأُضيفت حصّةٌ في الليل. استُبدلت الدمية بأخرى جديدة، وقد لمع صدرها من كثرة الضغط.
وفي الخامس عشر من يونيو هذا العام، رجعت إلى الشاطئ. لكن هذه المرة دخلتُ إلى الصف الدراسي، ولم أرتحل. الكفّان فوق بعضهما، والذراعان ممدودتان: نبضة، نبضة. وبينما أضغط، أدركتُ فجأةً إلى ماذا يشبه هذا الإيقاع — يشبه الموج: صفٌّ، وصفٌّ، قادمٌ من مكانٍ بعيد، لا يكفّ.
أخبرتني تشِن أن اسم الطبيب شِن يُكتب بحرفين معناهما «معبرُ الأنهار». فالمعبور معناه العبور، والنهر معناه النهر؛ أي من يعين الناس على عبور النهر. وقالت إن في وطنه نهرًا عظيمًا أيضًا.
ودّخرت هذين الحرفين في قلبي، كما يُودّع أثمنَ غرائز. وبحرُ ذلك العبور الذي لم يُتمّه، إنما يُكمله اليوم أناسٌ كثيرون.
صار موسى يبربس في الماء الضحل، وهو من تعليمي. أوّل درسٍ علّمته إياه: ارفع وجهك، ولا تلوّح بيديك حثيثًا، فالماء وحده سيحملك.
ما زالت الأمواج بيضاء عامًا بعد عام. ولم أخفها بعد اليوم. من ماءٍ إلى ماء، ومن قلبٍ إلى قلب — لم يكن هناك حدود أصلًا.
قلت للبحر: Asante.
شكرًا. هذه الكلمة لا تحتاج ترجمةً؛ فالموج يفهمها.
هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية