Heartstories
رجوع
|
الرجل الذي جاء بالحصاد

الرجل الذي جاء بالحصاد

متوسط 2026-09-12 · 14 دقيقة قراءة

واحد

في صباح ضبابي من أكتوبر، كنت أنزع عشب الحبوب الضارّ من حقل مشاتلي.

كان الضباب يتسلل من البركة الواقعة في الطرف الشرقي من القرية، زاحفاً على طول سنابل الأرز، خطوةً خطوة بطيئة. كان الأرز المتأخر قد امتلأ حبّه، وانحنت السنابل تحت ثقلها، حبّةً حبّة ثقيلة. كانت الندى يقطر من أطراف الأوراق على ظهر يدي، بارداً. كنت مربوساً في الحقل أنزع بضع شتلات من العشب الضار، ثم أمسكت قبضة من التراب كعادتي، وبسطتها بين أصابعي وقرّبتها من أنفي لأشمّها. هذه العادة تولّدت لديّ في تلك السنوات الثماني، ولم أعد أستطيع التخلي عنها. نادتني جيفِن من الخلف لأن أعود وأتغدّد، نادتني مرتين، فلما رأت أنني لا أتحرك قالت: «وصلت عربة بريد إلى الباب، ومعها صندوق خشبي، يقولون إنه مرسل من أفريقيا، ظلّ في الطريق أكثر من شهرين قبل أن يصل.»

ما زلت أفتّت التراب بين أصابعي.

كان الصندوق موضوعاً على الطاولة المربعة في قاعة البيت، مساميره مُدخلة بفوضى، وعلى زواياه حبال من قش، وألصقت عليه طوابع ملوّنة عديدة. فتحه شيَنغ يانغ بمفكّ، فوجد داخله نشارة خشب، وتحت النشارة رزمةً مغلّفة بعناية بقماش مزيّن، أرضيته حمراء مطبوع عليه أزهار صفراء وخضراء، من ذلك القماش الذي تلتفّ به النساء هناك حول أجسادهنّ. كنت أعرفه. لقد أهداني الرئيسُ القبلي العجوز موالومي قطعةً مطابقة له.

نزعت القماش طبقةً طبقة.

أولاً لمست مناجلاً. منجل جديد، نصلُه أسود لامع، ومقبضه ملفوف بأشرطة قماش ثلاثية الألوان: حمراء وصفراء وخضراء. تحت المنجل كيس قماشي صغير مربوط بإحكام، هزّته فأذن صوت حبّاته متهدّجة. كانت بذور أرز. وتحت ذلك كومة صور فوتوغرافية، ورسالة. كان الخط على المغلف متعرّجاً مرتجفاً، حروف صينية مرسومة بالفرشاة، مرسومة بقوة كبيرة حتى شعثت الورقة عند الحواف:

إلى الأستاذ لي شو تيان.

فتحت أبواب القاعة كلها لأدع ضوء الصباح يدخل، وجلست أمام الطاولة المربعة، أنظر إلى شيء بعد شيء.

اثنان

لأتحدث أولاً عن ذلك المنجل.

منجلي القديم طرَبَه حدّاد البلدة عام ألفين، واستخدمته حتى ألف وأربعمئة، حتى صار نصلُه أضيق بنصف عرضه الأصلي، وسودَّ مقبضه من عرق يدي، فكان يطابق كفّي تماماً. بعد رأس السنة تلك الحين، جاء لي تشو العجوز يدفع دراجته الطويلة أمام بيتي، وقبل أن يدخل صوته سبقه: «شو تيان، هناك أمر، أمر جليل كالسماء، وربما لا يساوي شيئاً، عليك أن تسمعني إلى آخره.»

كان تشو مديرَ محطة التقنيات الزراعية في المقاطعة بعد تقاعده، وحين افتتحت المقاطعة دورات لتخريج فنيّين زراعيين من الفلاحين، كان معلّمي. تركت المدرسة في الرابعة عشرة قبل أن أتمّ المرحلة الإعدادية لأعمل لأجل نقاط العمل، ثم صرت الفني الزراعي لفريقي الإنتاج، وبعد توزيع الأراضي على الأسر زرعت موادي ذات العشرة والموغ من الموز، وفي مسابقة المقاطعة لإنتاج الأرز الوفير حصلت على المركز الثالث. قال تشو إن هناك مشروعاً إقليمياً للمساعدة الزراعية في الخارج، في تنزانيا، إقليم موروغورو، عشرات آلاف الموغ من الحقول. الأرض هناك أرض طيبة، سوداء ينسيل منها الزيت، لكنها تفشل عاماً بعد عام؛ فريق الخبراء الذي استقدموه بأجور مرتفعة واهب سنتين دون جدوى، وخططهم على الورق لم تجد طريقها إلى الأرض، وظلّت الحقول مهجورة. وقال أهل البلد: أنتم أصحاب المخططات لا يُنسان منكم، هل يمكن أن تجلبوا لنا من زرع الأرض طول عمره ليجرّب؟

قال تشو: «في المقاطعة كلها، أنت أول من خطر ببالي.»

في تلك الليلة لم تقل جيفِن شيئاً، كانت تُرقّع جواربي تحت المصباح. ولما فرغت من جورب قالت: «اذهب. أنت إن لم ترَ تلك الأرض، فلن تنام مطمئناً هذه السنة كلها.» اعترض ابنها شيَنغ يانغ: «أبي، أنت قريب من الستين، والطيران بعيد جداً.» فقلت: «أنا لا أذهب للتمتع، أنا أذهب لأرى الأرض. أرض العالم كلها متشابهة، وأسباب سوء محصولها، مهما جرى وكُرّرت، قليلة معروفة.»

حزمت كيسي من القماش المقوّى، وفيه ثلاثة أشياء: ذلك المنجل الذي استخدمته عشر سنوات، وقِدر حديد صغير — دسّته جيفِن في يدي، قائلة إن ما يأكلونه هناك لا يناسبني، فإن اشتقت إلى بيتك فاطبخ لنفسك شيئاً دافئاً — وكيسين من بذور الأرز، من سلالتنا التقليدية المحفوظة من حقولنا، ملفوفة بالجرائد، ومربوطة في أكياس بلاستيكية ثلاث ربطات. وعند التفتيش الأمني، أخرجوا كيسي البذور وفحصوه طويلاً، لا يفهمون لماذا صعدتُ طائرة عبر أكثر من عشرة آلاف كيلومتر وعناقي بكيسين من الحبّ لا أفارقهما.

تحوّلت الطائرة مرتين، وهبطت في دار السلام. ثم ركبت سيارة نحو الغرب، فانتهى الإسفلت فصار الطريق ترابياً، وكان الغبار الذي يثيره أحمر، لا يهبط من الجو إلا بعد وقت طويل. وصلت إلى مدخل القرية عند المغيب، وكان جملة من الأطفال الحفاة يركضون خلف السيارة، ضحكهم أعلن من صوت عجلاتها.

أول ما فعلتُ حين نزلت أن أذهب لأرى الحقل.

كان الحقل يمتدّ خارج القرية، مستوياً كساحة التمشيط، وترابه الأسود لينٌ تحت القدمين. لكنه كان مغموراً بطبقة لامعة من الماء الراكد، وشتى الأرز متناثرة هنا معثكلة هناك، أطراف أوراقها مصفرّة، وبعضها مقلوب كله كله. ركبت وأعصرت قبضة طين، فعرفت في قلبي كيف الأمر.

في صباح اليوم التالي جاء أهل القرية كلهم ليرативا. تفرّسوا في كيسي، وجرّوا المنجل، وضحكوا بأصواتهم متشابكة. رفع شابٌّ منجلي القديم ليريه الجميع، فازداد الضحك علوّاً. قال لي يوفي لاحقاً إنهم يقولون: هذه الشيء كان يستخدمه جدّ أجدادهم، والعجوز الصيني عبر المحيط ولم يحضر معه إلا شيئاً من زمن جدّ أجداده.

كان يوفي شاباً من القرية قرأ في الثانوية، عمره ثلاث وعشرون سنة، يجيد الإنجليزية، وكلّفته محليّة المترجم. قلت ليوفي أن يترجم كلامي: «ضحكهم في محله. في الشغل بالآلات الحديثة أنا خائر عنهم. أما في خدمة الأرز، فلنرَ بعضنا بعضاً في الأيام القادمة.»

ثم قلّدت حركتهم: بسطت كفّي ثم قبضتها ببطء. أخمدوا ضحكهم تدريجياً.

ثلاثة

في أيامي الثلاثة الأولى بعد وصولي لم أشتغل شيئاً، لم أفعل إلا أن أركب.

ركبت على حرف الحقل أعضّ الشتلات. أنزع واحدة فجذورها صفراء، تتفتّت بالعصر، وتنبعث منها رائحة نتنة. جذور الأرز الصحيح بيضاء، قوية، ذات مرونة في الكف. جذور هذا الحقل كانت قد فسدت من الغرق في الماء.

أفرك التراب. متكتّل، لا يتشكّل بالقبضة ولا ينبعث، ومسامُه كلها مسدودة بالماء الراكد.

طلبت من يوفي أن يسأل: لماذا لا يُصرَّف هذا الماء؟ جاء الجواب: موسم الأمطار بضعة أشهر فقط، والجفاف طويل، والماء محفوظ في الحقل احتياطاً لبقاء الحياة.

تحرّك شيء في قلبي. لم يكونوا كسالى، بل كانوا خائفين. خافوا جيلاً بعد جيل حتى صار الخوف هو طريقة الزراعة. لا لوم عليهم في هذا، إنما يعني ذلك فقط أنّ القفل ما زال ينقصه مفتاحه.

طلبت من يوفي أن يوصل كلامي إلى الشيوخ: «الماء كنز، لكن للماء طريقه أيضاً. الإنسان إذا حُبس عن النفس اختنق، والحقل كذلك. احفروا قنوات، تُخرج الماء في أيام المطر، وتحبسه في أيام الجفاف.» تفاوض الشيوخ تحت ظلّ الشجرة طويلاً، ودارت النار بينهم. وتكلّف آخر الأمر شيخٌ أبيض اللحية: حسناً، نعطيك نصف حقل، فإن أفسدته بالقنوات فعليك أن تعود وحديك بكوكك.

كنت أنزل إلى الحقل في الخامسة فجراً. ثلاثة أيام لم أكن فيه إلا وحدي، بمجرافة واحدة، أحفر القنوات صفّاً صفّاً. فقاع اليدين تمزّق فتقرّح، وتقرّح فتمزّق. وفي صباح اليوم الرابع، عند بزوغ الفجر، رأيت على الحرف ربوساً على ربوس — كان بَرَكة. ذلك الشاب الذي كان في اليومين الماضيين يصفّر من فوق الشجرة ومستفزّاً، عمره تسع عشرة سنة، توفيت أمه مبكراً، وأبوه عامل في دار السلام، وهو يعيش مع جدته، وله ثلاثة موغ من الأرض. ظلّ يراقبني ثلاثة أيام وهو رابض على الحرف، وفي اليوم الرابع نزل، وانتزع المجرفة من يدي: «دعني أنا.»

كانت قنواته مائلة، سحيقة هنا ضحلة هناك. علّمته يداً بيد: يجب أن يُشدّ الخيط مستقيماً، وأن يُسوّى القاع، حتى يطيع الماء. دسّر ممتنّاً وهو يتمتم. فأشرت له بيدي: الماء كالإنسان، إن كان الطريق غير مستوٍ عنّد له. حفر نصف قناة، ونظر إلى قناتي، ثم إلى قناته، فسكت، وعاد ليحفرها من جديد.

في أسبوعين، ثلاث قنوات رئيسية. يوم تصريف الماء وقف أهل القرية كلهم على الحرف. فتحت الفتحة، فوجد الماء الراكد طريقه، وجرى في القنوات هادراً، دوّاراً حلقاته، منساباً نحو المنخفض. ركب أحدهم وأدخل يده في الماء الجاري، وكأنه يعرف لأول مرة أن الماء بارد.

من ذلك اليوم، كلما ركبت على الحقل أعصر التراب، وجدت خلفي واقفين. ثلاثة أولاً، ثم ثلاثين. وفي يوم شمسٍ لاذعة، مدّت لي امرأة تحمل طفلاً بقرعة ماء صغيرة دون كلام. شربت وأومأت لها برأسي. لم تفهم لغتي ولم أفهم لغتها، لكنّا فهيمنا كلاهما.

أربعة

أفرط ربط الكيس القماشي الصغير في الرزلة، وسكبت في كفّي. حبّ ممتلئ، ذهبي اللون لامع، كل حبّة ثقيلة في الكف. كانت بذراً أخرجوه بأنفسهم.

أخذت حبّتين ووضعتهما في فمي ومضغتهما.

وبينما أخرق ابتسمت. عام ألف وأربعمئة، حين قدّمت بذوري لأول مرة، فعل أحد أهل القرية الشيء نفسه: التقط حبّة ومضغها، ثم بصقها على الأرض وهزّ رأسه. فهمت مقصوده: حبّك هذا ليس بلسّ حبّنا.

لكنّ شأن الأرز لا يُرى بالفم، بل يُرى في الحقل.

في تلك السنة، بعد تصريف الماء، قدتُهم في تجهيز الأرض وشدّ الخيوط. بدأنا بالمشاتل المحميّة: قضبان من سعف البامبو مثنية أقواساً، مغطاة بالبلاستيك القديم، لدرء أناق الطيور وضربات الأمطار الغزيرة. يوم البذر جاءت القرية كلها لترى العجائب، وقالوا: هذا كأنه بناء بيوت صغيرة، والأرز ليس طفلاً. فقلت: الأرز طفل بالضبط. ماء مشاتله يُبدَّل كل يوم، وحرارته تُجرّب بإدخال اليد. ورجال متقدمون في السنّ هزّوا رؤوسهم.

وفي الغرس علّمتهم شدّ الحبال وتحديد المسافات، أفقياً مستوياً ورأسياً مستقيماً، وبين كل شتلة وأخرى مسافة تُقاس بعرض القدم. وكانت هناك امرأة تُدعى موانيشا، سريعة الطبع، سئمت بطء شدّ الخيوط، ففي غيابي رشّت الأسمدة الكيميائية قبضاتٍ قبضات في الحقل، وفي اليوم التالي ذبلت مساحة من الشتلات — احترقت. ركبت على حرف الحقل تبكي. سهرتُ معها تلك الليلة أغرق الحقل بالماء لتريقه، ثم أضفت سماداً حيوانياً متعفّناً كي يلطّف الأثر، فأنقذنا أكثره. ومنذ ذلك اليوم صارت موانيشا من أكثر أهل القرية حرصاً، فإذا رأت أحدهم يرشّ السماد بتهوّر كانت أول من يأتي بابَه يوبّخه.

وتغطيت الحشائش كانت أحرص ما يجب تعليمه. كانوا لا يميّزون بين عشب الإيزَي وشتل الأرز، فنظمتُ زجلاً وطلبت من يوفي ترجمته إلى لغتهم، وإن عجز عنه أخذتُهم إلى الحقل ليروا بعيونهم: «أوراق الإيزي لامعة تلمع، وظهر شتلة الأرز عليه وبرٌ كالصقيع؛ جذر الإيزي أبيض وساقه زَلِقة، وجذر الشتلة محمرّ لا يستسلم.» كان بَرَكة أسرعهم تعلّماً، حتى صار قادراً على انتزاع الإيزي من قبضة حشائش وأمامه عينان مغمضتان، وكلما انتزع واحدة غنّى مقطعاً من أغانيهم.

ولم أخلُ أنا أيضاً من التعثّر. حدّدت موعد البذر بحساب الفصول في مقاطعة خوبي، وظننت الأمر في منأى عن الخطأ، ولم أستكثر من السؤال. فبعد البذر جاء مطر ليلي هابط من خلف الجبل، اجتاح نصف المشتل وبدّد الشتلات تشتيتاً. جاءت جدّة بَرَكة تتكؤا على عصا، ووقفت طويلاً، ثم قالت جملة واحدة. ترجمها يوفي وقد شحب وجهه، خاف أن ينقلها حرفياً. فلوّحت العجوز بيدها وأمرته بالنقل الحرفي:

«مطر ما وراء الجبل له مزاجه هو. هو لا يعرف تقاويمكم.»

وقفت على حافة المشتل المنكوس طويلاً لا أتكلّم. زرعت الأرض كل العمر، وأول مرة تؤدّبني عجوز ثمانينية لم تغادر قريتها قط. ومنذ ذلك اليوم، كلما وصلتُ إلى مكان جديد سألتُ أكبر الكبار سناً عن المطر، وعن الماء، وعن الجبال. حتى الفلاح الخبير عليه أن ينحني لإله الأرض، وإله الأرض ليس في كل مرة واحداً، فعليك أن تسأل أهل البلد.

في ذلك الموسم أقمنا حقلاً للمقارنة. شرقاً من القرية، موغان: نصفه بالطريقة القديمة ونصفه بالطريقة الجديدة، وعلى حدود الحقل رُبطت شريطة حمراء. وفي الموسم المطري كان ذلك النصف ذو الشريطة الحمراء يتغيّر كل يوم، أوراقه خضراء سوداء زيتية، وإذا مرّت الريح جرفتها موجة تلو موجة. أما نصف الطريقة القديمة فكان يذبل صفراً نحيل. ظلّ أهل القرية أولاً ينظرون من بعيد، ثم تقرّبوا إلى الحرف لينظروا، ثم صار بعضهم يأتي ليلاً ومعه كشّاف يدوي.

خمسة

الصورة التي في أعلى الكومة التُقطت يوم الدرس. ساحة التمشيط، والدعامات الخشبية، وعشرات الناس، وأكوام الحبّ تفوق حوافّها. الصورة ضبابية قليلاً، فقد التقطتها حينها بكاميرا مقاطعة القديمة، ولم أتجرّأ قط على إرسالها إلى البيت، فإذا ببَرَكة قد احتفظ بالسالبة.

كان ذلك أواخر يوليو، في ذيل الموسم المطري، حين ضُرب المنجل في حقل المقارنة.

في جهة الطريقة القديمة، حصدوا من الموغ ثلاثة أو أربعة أكياس. أما جهة الشريطة الحمراء، فعند الميزان، اثنا عشر كيساً ونصفاً في الموغ. اهتزّ الميزان القديم في مخزن حبّ القرية وصرصر صريراً متتابعاً، ومع كل صرخة صرخة هلّ الجميع هديراً. ركض بَرَكة بالأكياس في ساحة التمشيط هائماً فرحاً، وحين أتمّ الدورة الثالثة انغرس رأسه في كومة الحبّ ولم يتحرك طويلاً. تقرّبت منه فرأاه مستلقي على ظهره، وجهه مغطى بالعرق وقشور الحبّ، ويبتسم فحسب، لا يتكلم، يبتسم فقط.

جاء الرئيس القبلي العجوز موالومي مدعوماً تحت إبطيه. في الثامنة والثمانين، متكؤا على عصا خشبية، منحوت على رأسها سنبلة أرز. انحنى وأخذ قبضة من الكومة، وبسطها في كفّه، فنفخ القشور الخاوية، وبقي في الكف ثِقَلٌ. تأمّل طويلاً، ثم أمسك يدي ودسّ قبضة الحبّ في راحتي وقال كلاماً طويلاً.

وبينما يوفي يترجم انخنق صوته: «يقول الشيخ إنه عاش أكثر من ثمانين سنة، وللمرة الأولى، يحمل الحبّ من هذا الحقل حتى آلمه ذراعاه.»

في تلك الليلة أقاموا في القرية وليمة بقرة كاملة. أُقيمت النار، وشُوّت البقرة كلها على اللهب، وضرب الطبل من حلول الظلام إلى طلوع الفجر. رقص القرية كلها دائرة حول النار، وقاد الكبار غناء القصائد القديمة، مُهتفاً يليه الجمع، فتراكُم الغناء طبقة فوق طبقة، كأمطار تتبع بعضها بعضاً. وفي منتصف الليل نهض الشيخ متكؤاً على عصاه، فساد الميدان سكون. رفع صوته بجملة واحدة، فأجابه الجميع هديراً، ثم بدأوا ينادون نداءً تلو نداء، بانسجام تام، وكلهم ينادون على الشيء ذاته.

قال لي يوفي وقد احمرّت عيناه: «لقد سمّاك الشيخ. بلغتهم، تعني: الرجل الذي جاء بالحصاد.»

وكانوا كلما نادوا يجب أن أجيب. كنت واقفاً في وهج النار أحمل قطعة من لحم البقرة، ودموعي تتساقط في النار فتصفرّ فيها. لم أغادر وطني بعيداً في حياتي، وفي الخامسة والخمسين سافرت للخارج أول مرة، وسمّاني أهل هناك ليس لأنني صنعت أمراً عظيماً — ما فعلت إلا أن علّمتهم حفر ثلاث قنوات، وشدّ بعض الحبال، والتعرف على الإيزي.

في تلك الليلة سهرت القرية كلها إلى الفجر، أما أنا فجلست وحدي على حرف الحقل حتى ابيضّقت الشرق. وفهمت حقيقة واحدة:

لستُ أنا من جاء بالحصاد. الحصاد كان نائماً في هذه الأرض منذ زمن، نائماً جيلاً بعد جيل. ما فعلتُ إلا أنني حفرتُ له طريقاً يخرج منه.

ستة

الرسالة كانت بالإنجليزية، أخذها شيَنغ يانغ مساء إلى معلم الإنجليزية في الثانوية ليقرأها علينا. كان يقرأ جملة ويترجمها، وكانت جيفِن بجانبه، مروحتها من سعف النخيل في يدها تتحرك ثم تتوقف.

الرسالة ليست طويلة، لكن كلماتها ثقيلة.

بَرَكة صار اليوم موظفاً في المحطة الزراعية للمقاطعة، وفي المحطة عشرة عاملين معه. هو يتلمذ على يده اثنا عشر تلميذاً. ويوفي تخرّج في كلية الزراعة وعاد إلى قريته، يدير الإرشاد الزراعي لإحدى عشرة قرية، وتقول الرسالة إن تلك القرى الأحد عشرة كلها تأكل اليوم الأرز الجديد. وفي الجفاف الكبير السنة الماضية نقص محصول المقاطعات الأخرى، أما هم فلم ينقص محصولهم. وتضيف الرسالة: سقف المدرسة الابتدائية الجديد شُيّد من أموال بيع الحبّ التي جمعها الجميع، وعلى الجدار الخارجي للصفوف سطر مكتوب بلغتهم، ويطلب مني أن أخمّن ما هو.

قلب شيَنغ يانغ الورقة، فوجد على ظهرها مكتوباً بالقلم الرصاص ترجمة صينية. كتبها يوفي، وخطه مرتب:

«أحسِن حفر القنوات، وعلّم الناس.»

هذه كانت كلماتي أنا. في تلك السنوات لم يفارق فمي هذا القول، حتى سئموا منه، فبدأوا يقلّدون نبرتي في قوله، فيضحك الحاضرون جميعاً. لم أتوقع أنهم سيكتبونه على الجدار.

قلّبت الصور واحدة بعد أخرى. أمواج الأرز الذهبية تمتد إلى سفح الجبل. وفي ساحة التمشيط مبثوث الحبّ، والأطفال رابضون على حافة الأكوام يرفعون أيديهم ب(Isareة النصر. وفي الصورة الأخيرة بَرَكة وتلامذته الاثنا عشر، واقفون على حرف الحقل صفاً اثنين، مستقيمين منتصبين، كخيوط كنت قد شدّدتها.

ما زلت أذكر كيف مضت تلك السنوات الثماني.

في السنة الثانية جاء أهل القرى المجاورة طالبين التعلم. لم أذهب أنا، بل أرسلت بَرَكة ويوفي وموانيشا ليعلّموا. وقلت لهم: تعليم الناس شأنه شأن تربية الشتلات؛ شتلات مشتلي هذه ينبغي أن تنقلها إلى الحقول، فإن بقيت في مشتلي وحدها لن تُخرج حقلاً ثانياً.

في السنة الرابعة تأهل يوفي إلى كلية الزراعة في عاصمة الإقليم، وجمعت القرية له مصاريفه بمبادرة من الشيخ العجوز، وأنا أضفت نصف ما ادّخرته من مخصصاتي. يوم سافر كان يحمل على ظهره كيس قماش مقوّى — كان هديتي إليه، مطابقاً تماماً لكيسي أنا في تلك السنة.

في السنة السابعة أجرت جيفِن عملية في المرارة. رأيتها في الفيديو وهي تشرب أول شوربة أرز بعد العملية، فلوّحت لي بيدها: «أنا بخير. أنت تعلّم الناس شبع الخبز، وهذا شغل جليل.» أملتُ وجهي عنها كي لا ترى. وجه الشيخ العجوز وجه أيضاً.

في السنة السابعة حلّق فريق تلفزيون المقاطعة ليصوّروني، وسألني الصحفي: أستاذ لي، ما الذي تسعى إليه؟ ركبت على حرف الحقل، ومسحت الطين عن يدي على بنطالي، وفكرت طويلاً، ثم قلت:

«الأرض لا تعرف حدوداً. إن استطعت أن تطعم أهل الأرض حتى يشبعوا، فقد وجدت الثمن.»

في موسم أمطار السنة الثامنة أصابت البرودة خاصرتي، فركبت ولم أستطع النهوض إلا بعد وقت طويل، وحملني بَرَكة على ظهره إلى البيت. كان ذلك الفتى في السابعة والعشرين، كتفيه أعرض من لوح الباب. وكان قد وصلت دفعة جديدة من الفنيين، فقال لي تشو في الهاتف: شو تيان، أنجزت مهمتك فانصرف. فقلت: ليس الأمر إنجازاً، لكن عظامي العجوزة عليها أن تعود لتحرس أرضها.

يوم المغادرة أوصلتني القرية كلها إلى مفترق الطريق الترابي. وضرب الطبل طول الطريق. لم يستطع الشيخ العجوز القدوم، فقد تُوفي في الشتاء السابق. ولحق حفيده بالسيارة ودسّ في يدي شيئاً: سنبلة الأرز المنحوتة على رأس عصا جدّه، مقطوعة ومصقولة حتى لمعت. وكان الكيس القماشي قد امتلأ بهدايا الأهل حتى عجز السحّاب عن الإغلاق، ثم أخرجوها جميعاً واستبدلوها بورقة واحدة كتبها بَرَكة. ما حواه الورقة لم أعرفه حينها، وحين عدت إلى الصين طلبت من أحدٍ أن يترجمه، فكان جملة واحدة:

«قال الأستاذ لي: من خدع الأرض يوماً خدعته الأرض سنة؛ ومن حنّا على الأرض دهراً أطعمته الأرض أجيالاً.»

سبعة

في ذلك اليوم، بعد الغداء، فعلت ثلاثة أشياء.

الأولى: علّقت المنجل الجديد على جدار القاعة. وأخرجت المنجل القديم أيضاً وعلّقته بجانبه. وعن المنجل القديم تقول الرسالة: طلبنا إلى حدّاد البلدة أن يطربه، ولفّف مقبضه بقماش ثلاثي الألوان، أحمر وأصفر وأخضر، ألوان علمهم؛ أما منجلك القديم الذي خدمتك عشر سنين فلم نعيده إليك، علّقناه على عارضة بيت المجلس، معلّقاً بجوار طبول الشيخ. وإذا سأل الأطفال عنه حكينا لهم حكايته.

الثانية: رديت على بَرَكة بمكالمة فيديو. رفع شيَنغ يانغ الهاتف، وجلست أنا على عتبة القاعة وقلت أمام الكاميرا ما عندي: وصلت بذور الأرز، وهي طيبة، كل حبّة ثقيلة في الكف؛ لِأمر تلاميذك أن ينظفوا القنوات كل سنة ويشدّوا الخيوط كل سنة؛ والكتابة على الجدار أغلى من كل شهادات التقدير. وأخيراً قلت إلى الهاتف تلك العبارة الوحيدة من لغتهم التي تعلمتها في أكثر من شهرين. لا شك أن لفظها كان بعيداً عن الصواب، وكان شيَنغ يانغ يكبت ضحكه بجانبي. فحرّقتُه بنظرة: ما الضحك؟ إنهم يسمعون القلب.

الثالثة: أخذت قبضة من بذور الأرز الجديدة وذرتها في الأرض.

والمغيب عدت إلى المشتل. كان الضباب قد تناثر منذ زمن، وقد اصفرّت أطراف الأرز المتأخر، وإذا مرّت الريح أومأت سنابل الحقل كلها برؤوسها. ركبت، فعصرت أولاً تراب خوبي بين أصابعي، ثم رشّت بذور الأرز التنزانية في راحتي برفق على بقعة صغيرة من الأرض المفكوكة، وغطّيتها بطبقة رقيقة من التراب. في موعد أمطار الحبّ القادمة سأجرب تربية الشتلات. إن حييت وزّعتها على بيوت قليلة في القرية ليزرعوها؛ وإن لم تحيِ فلا ذنب لها، الذنب ذنبي؛ التراب مختلف، فسأخدمها على مهل، وأنا صاحب صبر لا ينفد؛ أهل الأرض ما عندهم شيء إلا الصبر، والصبر عندهم كثير.

عاد حفيدي شياو مان من المدرسة، فرتب بجانبي يراقبني ألبس يدي بالطين، وسأل: «جدّي، ماذا كان أهل تلك البلاد ينادونك؟»

قلت: «ينادونني: الرجل الذي جاء بالحصاد.»

«إذن أنت إنسان عظيم.»

ضحكت، وبصقت في راحتي وفركت يديّ: «خطأ. الحصاد ينبت من الأرض، والإنسان ليس إلا دليلاً يقود الطريق إلى الحصاد. أنا حفرت القنوات، وأنا شددت الخيوط، وأنا عرفت الإيزي — إن سُئلت فأنا مجرّد حافر قنوات.»

لم يفهم شياو مان كل المعنى. اقترب الغسق، وتصاعد من الحقل بخار الماء، طبقة بيضاء شاحبة، تزحف على طول السنابل ببطء. ركبت أنا هنا، وذكّرت بالقرية التي تبعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر؛ لا بد أن الضباب قد ارتفع هناك أيضاً في هذه الساعة، ولا بد أنه يزحف على سنابلهم، ببطء.

تراب العالم كلّه من جدّ واحد، وأرز العالم كلّه من أم واحدة. أدخل يدك في التراب تجد سطحه بارداً، وفي أعماقه دفء — تراب كل مكان سواء.

صفقت الطين عن بنطالي، ونهضت متكئاً على ركبتيّ. في الربيع القادم، آخذ شياو مان معي، ونأخذ المنجل الجديد ذا المقبض الثلاثي الألوان لنسنّه.

وضربته الأولى ستكون في حقول خوبي.

(تمّت)

هذه القصة مستوحاة من وقائع حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.

مستوحى من قصة حقيقية

← السابق العلم في الطية التالي → 多语言翻译技能