البذور الباقية
في سبتمبر تستيقظ البلدة المائية مبكرًا. يتسرب ضوء الصباح من شقوق القرميد الداكن، ليستقر على آجرّاج الفناء الداخلي، رقيقًا كطبقة من صقيع السكر.
على عمود الخيزران ما تزال الكرمة خضراء، لكنها خالية. سبع قطع من حبل القنب المقطوع تتدلى هناك، أطرافها المبتورة قد ابيضّت. والأرض ممسوحة نظيفًا، لم تبقَ منها حتى ورقة ساقطة. تجثو على ركبتيك، وتلمس أطراف أصابعك أحد الحبال، كما تلمس يد صديق قديم.
لكن الحكاية تبدأ من أوائل الصيف.
في ذلك اليوم مرّ أحدهم فوق الجسر الحجري، فرفع هاتفه فجأة مصوّبًا إلى فناء بيتك، وهو ينادي إلى أعلى: «جدّي، قرعات بيتكم على وشك الشهرة!»
ترفع نظرك تنظر: سبع قرعات خضراء متدلية على الكرمة، أكبرها بحجم يقطينة، قشرته مغطاة بوبرٍ دقيق؛ فإذا مرّت الريح تمايلت متزاحمة متلاصقة، تمايلٌ يُلين قلب من يراها. إلى ماذا تشبه؟ إلى تلك الرسوم المتحركة التي شاهدتها قبل سنوات طويلة: سبعة صغار، يقفزون من قلوب القرع واحدًا تلو الآخر، ينادون بأصوات رنانة: جدّي—
وشباب الإنترنت لقّبوك بدلًا عنك: «جدّ القرعات».
وفي البداية كنت سعيدًا.
لم يعش هذا البيت القديم زحامًا كهذا منذ سنين طويلة. رنّت ألواح الحجر الرمادي من الصباح إلى المساء بخطى الأقدام، وطقطقة الكاميرات، وصوت «جدّي» يتكرر مرة بعد مرة. جاؤوا من الشمال، ومن الجنوب الأبعد، يصطفون طابورًا طويلًا عند مدخل الزقاق، لا شيء في حسبانهم سوى أن يروك تخرج من الباب، أن ترفع نظرك إلى القرعة نظرة، أن تبتسم.
وكنت تبتسم فعلًا. الباب مفتوح، والشاي يبرد على الطاولة، ومن دخل نال رشفة. من طلب صورة تذكارية وقفت إلى جانبه وصفّفت قميصك الجديد؛ ومن نادى «إلى اللقاء يا جدّي» ودّعته عند العتبة، كما تودّع طفلًا مسافرًا.
قرابة مئة مرة في اليوم، وخمس دقائق للجولة الواحدة. في الليل تشتكي ساقاك الألم، لكنك تقول في نفسك: كان هذا الألم في محله. البيت حين يدفأ، يشبه البيت.
غير أن الليل حين يغور ويفرغ الزقاق، ويبقى على ألواح الحجر ضوء القمر وحده، يسكت البيت سكوتًا مفاجئًا؛ سكوتٍ تكاد تسمع فيه صوت قطرة ندى تتدحرج على ورقة من أوراق الكرمة.
على جدار غرفة الضيوف إطار صورة، تمسحه مرة كل يوم. الشاب في الإطار يبتسم، في مطلع العشرينيات إلى الأبد. إذا سأل أحد، قلت لا شيء سوى: من أهل البيت.
وإن أعيد السؤال، صمتّ، وذهبت إلى قرعاتك. القرعات السبع تتمايل خفيفًا في الليل، كأن أحدهم يحدّثك من خلف ستر الليل: جدّي، جدّي، نحن كلنا هنا.
في أواخر الصيف، أخذت تشعر بالتعب.
لا تعبَ ساقين، بل تعبَ قلب. خمس دقائق للجولة، لا تجد وقتًا لتُكمل رشفة شاي واحدة؛ وقبل الفجر يقرع أحدٌ الباب، وفي غسق الليل ما يزال أحدهم يرفع مصباحًا ويصوّبه إلى نافذتك. وقيلولة الجارة العجوز انقطعت من صدى الخطى مرات عديدة، وبسطات باعة حلوى زهر الأوسمانثوس اتخذت من أمام أبواب الآخرين مواقع لها. أردت أن تقول شيئًا، فابتلعته: هؤلاء جاؤوا من أقصى الأرض لأنهم يحبونك، فكيف تحتمل أن تُسكب في وجوههم مغرفة ماء باردة؟
في الثاني من سبتمبر، كتبت لوحة: «اليوم عطلة».
كتبت الحروف بخطٍّ متقن. علّقت اللوحة خارجًا، واختبأت أنت خلف الباب، فسمعت أحدًا في الزقاق يقرؤها بصوت مرتفع، وخطاه تتوقف مترددة، ثم تنسحب بهدوء.
في تلك الليلة كان نومك خفيفًا. تذكرت صبيةً صغيرة دسّت نهارًا رسمة من شق الباب: سبع قرعات جالسة في صف، وبجوارها شخص صغير منحني الظهر يشبهك. وعلى الرسمة، بخطٍّ متعرج غير مستقيم: «جدّي، تعبَك مشكور».
حفظت الرسمة في الدرج، بجانب الإطار.
في جوف الليل، نهضت وأشعلت الضوء.
وقفت في الفناء الداخلي زمنًا طويلًا. القرعات السبع متدلية رؤوسُها في ظلال الضوء. أما الأكبر، فكان قرارك بشأنه محسومًا من قبل: حين ينضج تمامًا يُقطف، ويُشق نصفين، ويُجفف، فتكون مغرفتي ماء. تلك المغرفتان الاهترأتا بين يديك وبين يدي زوجتك، كانتا هي الأخرى ثمرة كرمة.
لكنك الآن قد فهمت: بعض الضجيج مستعار، والمستعار يُرَدّ؛ يُرَدّ منك أنت، ومن الزقاق القديم كذلك.
أخرجت المقص، وشحذت نصلته الذي كلّ.
حين قطعت الحبل الأول، كانت «طقّة» خفيفة، كأن أحدًا قال وداعًا. وحين بلغت الأكبر، توقفت: شقّته أولًا، واستخرجت بذوره — بيضاء، حفنة صغيرة، منحنية كالأهلّة. غلّفتها بمنديل قديم، ودسّتها في صدر ثوبك.
ثم قطعت واحدًا تلو الآخر، واحتضنت واحدًا تلو الآخر، ورصّتها في زاوية الجدار رصًّا منظّمًا، كأنك تُنوّم سبعة أطفال.
أما ما جرى بعد الفجر، فسمعته من الجيران.
وقف الشباب تحت الكرمة الخالية زمنًا طويلًا، وما جادل أحد. وانحنى أحدهم إلى الكرمة انحناءة تعظيم: «جدّي، شكرًا لأنك أريتنا هذا الصيف». وتكلمت مواقع الإنترنت أيامًا عديدة: قالوا إن الطيبة تحتاج حدودًا، وإن موجة الشهرة لا ينبغي أن تُحني كرمة. ثم جاء الرد من المدينة: هذا ليس «برنامجًا»، بل حنانٌ نبت من البلدة المائية نفسها؛ نباتُه كان نصيبًا، وجمعُه كان واجبًا، وكلاهما حسن.
وجاء موظفو الحي أيضًا، فجلسوا في غرفة الضيوف، وتحدثوا بكثير من الألفاظ الجديدة. لم تفهمها كلها، لكنك فهمت جملة واحدة: هناك من وضعك في قلبه.
هدا الأيام رويدًا رويدًا. تفتّحت أزهار الأوسمانثوس، وصوت مجداف يرن تحت الجسر: ضربة، ثم ضربة. أما الرسمة فوضعتها في أبرز موضع من غرفة الضيوف؛ يتصاعد بخار العصيدة فيغبّش الشخصية الصغيرة المنحنية في الرسمة قليلًا، ثم تتضح شيئًا فشيئًا.
والبذور الملفوفة في المنديل، أودعتها في أبعد أدراج الخزانة.
في ربيع السنة القادمة، أن تتسلق الكرمة الجدار من جديد أم لا، وأن تحمل سبع قرعات من جديد أم لا — القرار قرارك. لعلّك تزرعها، ولعلّك لا تزرع؛ ولعلّك تغرسها في مكان أهدأ، لتكبر على مهل حتى تصير مغرفة ماء، تغرف بها الأيام القادمة، وهي تجري هادئة كسيلٍ رقيق لا ينقطع.
لن يلومك أحد. أولئك الذين نادوا «جدّي» من وراء ألف جبل وبحر، ما أرادوا أصلًا سبع قرعات. ما أرادوه هو تلك الضحكة غير المحذورة، الصاعدة من قاع القلب، حين ترفع نظرك إلى الكرمة.
قُطعت القرعات، وبقيت البذور. بعض الوداعات تبدو للعين تفرّقًا، لكنها في حقيقتها تدسّ الأيام الآتية، بهدوء، داخل المنديل.
(انتهت القصة)
هذه القصة مستوحاة من حدث حقيقي، وجميع الشخصيات بأسماء مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية