اضغطةٌ أخرى
«طالما أردنا أن نقول لك شكرًا وجهاً لوجه. هذا العناق، انتظرناه أربعين يومًا فأكثر.»
قبل أن تُتمَّ تشن هوي كلمتها، كانت ذراعاها قد التفّتا بالفعل. وقفت لين شيا مذهولة في مكانها، وسرعان ما تمدّدت بقعة رطبة صغيرة على كتفّ معطفها الأبيض. كانت غرفة المرضى في قسم التأهيل هادئة؛ دواء المحلول يقطُر من الأنبوب قطرةً قطرة، قطرةً يمكن حصرها. وخارج النافذة نخلة جوز الهند تُقلّب أوراقها ريح العصر.
كان العجوز على السرير جالسًا متكئًا؛ فلما شاهد المشهد احمرّ محجرا عينيه تدريجيًا. أراد أن يرفع يده، لكن على ذراعه ما تزال أقطاب المراقبة لاصقة، فرفعها نصف رفعٍ ثم أعادها إلى حيث كانت.
قبل أكثر من أربعين يومًا، في الرابع من أغسطس، السادسة مساءً.
لم تكن الشمس قد غربت بعد، وكان الإسفلت قد تعرض للشمس طوال اليوم حتى صار يتوهّج من خلف باطن الحذاء. كانت لين شيا تركب دراجتها الكهربائية ذاهبةً إلى روضة الأطفال لتلتقط ابنتها، والخوذة مربوطة على رأسها بإحكام. وعند التقاطع تكتّل حشد من الناس، وكان أحدهم في وسطهم يصرخ بصوتٍ ممزّق: «مَن يساعدنا! هل من أحد…»
أرجعت دراجتها إلى حافة الطريق، وحشرت طريقها بينهم.
شيخٌ عجوز مستلقٍ على ظهره على ممر المشاة، نظارته تسحطت جانبًا، ومن كيس بلاستيكي تدحرجت حبتا مانجو. انحنت لين شيا، وجسّت بإصبعيها شريان العنق، ثم مالت لتلاحظ صعود الصدر وهبوطه.
لا نبض. لا تنفس.
توقف القلب. ومنذ لحظة سقوطه والدقائقُ الأربع الذهبية تنحسر ثانيةً بعد ثانية.
«أنا ممرضة!» صرخت نحو الحشد، وركبتاها تهبطان على سطح الطريق المتوهّج، فلم يكن معها وقتٌ لتخلع الخوذة.
الدقيقة الأولى. ذراعان ممدودتان مستقيمتان، وكعب الكفّ يضغط على منتصف صدر العجوز: مرة، مرتان… ثلاثون مرة. ثم تميل الرأس إلى الخلف وترفع الذقن، وتنفختا تنفسٍ صناعي. كان العرق ينساب من ذقنها، فينقضّ على الأرض قرب وجه العجوز.
«هل اتصلتم بـ 120؟» — «اتصلنا، اتصلنا!» — «أفسحوا الطريق، اتركوا لها قليلًا من الهواء!»
اقتربت فتاة صغيرة رافعةً مظلة واقية من الشمس، فتصدّت خلفها، تحجب عن العجوز لطمةَ الشمس الغاربة.
لم يدرِ أحد في الحشد أن هذه المرأة الراكعة على الأرض تغلي رأسَها عرقٌ داخل الخوذة، وأنها انتهت من نوبتها في السادسة، وبعد عشر دقائق كان من المفترض أن تكون على باب الروضة. ولم يدرِ أحد أيضًا أن في بيتٍ على بعد نصف شارع كانت ابنةُ العجوز تغسل الأرز، لا تدري بعد أن والدها سقط في طريق عودته من السوق.
الدقيقة الثانية. بدأت الذراعان تولعان بالوجع، لكن كعب الكفّ لم يجرؤ على الإزاحة. ظلّت تعدّ بصوتٍ يزداد بححّة، والأرقام لا تتوقف. ساد الحشدُ صمتًا، فلم يعد يُسمع سواها تعدّ كلمةً كلمة، وكأنها تعدّ كي تعيد إلى العجوز نبضَ قلبه.
الدقيقة الثالثة. عند باب الروضة، كانت دوودو تنصبّ على أطراف أصابعها تُشحذ نظرها نحو التقاطع. والمربية تضمّ يدها وتردّد مرارًا: ماما تصلك حالًا.
وعلى الإسفلت، كانت ركبتا لين شيا تحترقان من الاحتكاك، لكنها لم تتحرك. لم يكن في رأسها سوى أمرٍ واحد يعود ويطرق: اضغطةٌ أخرى تمنح العجوز فرصةً أخرى للحياة.
ثلاثون ضغطة. نفختان. ثلاثون أخرى.
وفجأة تردّدت من حلق العجوز حبّةُ كحّةٍ خفيفة جدًا.
«عاد إليه النَّفَس! إنه يتنفس!» صاح أحدهم في الحشد. لم تتوقف لين شيا، وإيقاع يديها لم يختلّ ولو قليلًا؛ فقط أغرّت عيناها لحظةً ثم رمشت سريعًا لتعيدهما.
وفي البعيد، كان صوت صفارة الإسعاف ينتقل من البعيد إلى القريب.
في الدقيقة الرابعة، حين حشر الفريقُ الطبي طريقَه حاملًا النقالة، كان صدر العجوز يرتفع وينخفض من تلقاء نفسه. تسليمٌ، حملٌ، أبواب الإسعاف تُغلق، والصفارة تلتفّ عند ركن الشارع، والحشد يتفرّق على مهل. اعتدلت لين شيا واقفةً متّكئةً على مقبض دراجتها، وعلى كل ركبة من ركبتيها علامةُ الإسفلت منقوشة، حارقة. أما حبتا المانجو فقد تدحرجتا بعيدًا على الأرض، فالتقطتهما واحدةً تلو الأخرى وأعادتهما إلى كيس القماش، وسلّمته إلى الشاب الذي ظل واقفًا على الجانب: «أرجوك، أوصِلهما إلى المستشفى؛ لقد اشتراهما العجوز بنفسه.»
حين وصلت الروضة، كانت دوودو آخر طفلة يلتقيها أهلها. انقضّت نحوها، فارتفعت بين ذراعي أمها، وارتطمت الخوذة بكتفٍ صغير.
«ماما تأخرت اليوم.»
«كانت ماما تنقذ جدًّا عجوزًا.»
وعلى غير إدراكٍ تام، لصقت دوودو وجهها بكتف أمها المبلّل بالعرق.
في تلك الليلة، ظلّت تشن هوي، ابنة العجوز، واقفة في ممر المستشفى طويلًا. كان والدها قد تجاوز الخطر، وقال الطبيب إنه لولا أن أحدهم أجرى الإنعاش القلبي الرئوي في اللحظة الأولى، وبأسلوب نموذجي، دون أن تضيع دقيقة واحدة… حفظت عبارةً واحدة: «الدقائق الأربع الذهبية». لم تكن تعرف من تلك الممرضة، ولم يصلها من أقوال الناس إلا كلامٌ عابر: امرأة، على رأسها خوذة، ركعت على الأرض تضغط زمنًا طويلًا.
ثم بدأ ما جرى لاحقًا يتناقل قليلًا فقليلًا. نشر أحدهم مقطع يوم الحادثة على الإنترنت، فعُرف أنها ممرضة في مستشفى المدينة. وسأل أبناء العجوز يمينًا وشمالًا حتى عثروا عليها. أما لين شيا فكأن شيئًا لم يكن: ذهبت إلى عملها كالعادة، والتقطت ابنتها كالعادة، وفي عطلة نهاية الأسبوع كانت تلقي دروس الإسعافات الأولية في الحي.
مستوحى من قصة حقيقية