أكثر من مجرد زيّ مدرسي
كان ريح أيلول (سبتمبر) لا يزال لينًا، يتسلل من كمّي الزيّ الأزرق والأبيض، فينفخ زيّي المدرسي حتى صار مثل شراعٍ صغير.
كان ذلك صباحًا من الأسبوع الأول في سنتي الأخيرة من الثانوية. منبّه الساعة، وكلمات إنجليزية، وأوراق اختبارات؛ أيّامٌ تدور كالساعة الملفوفة. لكن ذلك الصباح، لا أعرف لماذا، قُدتُ درّاجتي ببطء، والريح تحرّك أوراق الأشجار على جانب الشارع فتُحدث حفيفًا، حتى صرتُ أستمتع بالنظر إليها مرتين. وفي الأيام التالية، كثيرًا ما شكرتُ ذلك البطء، لأنه جعلني أرى صباحًا كان يحتاج إليّ.
لم تأتِ الحادثة بأي إنذار. كان أولها صوتٌ خفيض، قصير، كثير — لا يشبه صوت سيارة ولا الرعد. وفهمتُ لاحقًا أنه كان صوت جسدِ إنسانٍ يرتمي على الأرض.
شددتُ يدي على المكابح. كان هناك عجوزٌ جالسًا على حافة الرصيف، نصف جسده مائل، ومؤخرة رأسه ملتصقة بالأرض، وكان الدم الغامق يتسرب ببطء من حدود شعره، مصبغًا شعره الرمادي بلونٍ آخر.
أعترف أنني تجمّدت. ثلاث ثوانٍ أو خمس، أو ربما أكثر. العجلة متوقفة، وقلبي يخفق أعلى صوتًا من كل شيء. مرّت أمام عيني صورٌ من الأخبار: أشخاص خافوا من المتاعب، وأشخاص خافوا من النصب. وكان التردد كشوكة رفيعة تغرز في يدي الممدودة في الهواء. وفي الأيام التالية كثيرة، عادت إلى ذاكرتي تلك الثواني مرارًا — ففي تلك الثواني، يفكّر الإنسان في كل شيء، وفي الوقت نفسه لا يفكر في شيء.
لكن العجوز تحرّك قليلًا، وأصدر من حلقه صوتًا غير مفهوم، مثل غريقٍ يحاول الإمساك بالشاطئ.
قدمتا سبقتا عقلي في القرار. أسندتُ الدراجة إلى جانب الطريق وركضتُ إليه، وركعتُ على ركبة واحدة بجانبه. وكنتُ أتصل برقم الطوارئ (١٢٠) ويدي لا تزال ترتجف، لكن صوتي وهو يذكر اسم الشارع كان ثابتًا إلى حدٍّ غير متوقع. ما زال الدم يتسرب، فبلا تفكير خلعتُ سترة الزيّ المدرسي، ولففتُها كرةً، ووضعتُها تحت الرأس، وضغطتُ بكفّي بإحكام. تشبّع القماش بالدم سريعًا، فأخذ الأزرق والأبيض مساحةً أغمق. لم أجرؤ على النظر كثيرًا، فقط ضغطتُ أقوى.
فجأة لامست ريح صباح أيلول ذراعيّ العاريين، وكانت باردة. لكن تحت كفّي، كانت تلك اللفافة تدفأ شيئًا فشيئًا — لا، تصير دافئة. لا أستطيع وصف ذلك الإحساس؛ كنتُ أعرف فقط أن يدي تضغط على إنسان، إنسان حيّ ينتظر من يساعده. بقيتُ مرابية هناك، أقول له مرارًا: «سيدي العجوز، لا تخف، سيصل سيارة الإسعاف قريبًا». لم يسمعني جيدًا، لكن عينيه التحولتا ببطء نحوي. تلك النظرة جعلتني فجأة غير خائفة، إذ تبينّ لي أن قلب الإنسان يكون أكثر ثباتًا حين يمتدّ ليساعد غيره.
«يا بنتي، سأبدّل مكان يديك، خذي نفسًا.»
في لحظةٍ ما، ركعت بجانبي سيدة تلبس فستانًا رماديًا. أخرجت مناديل ورقية ووضعتها فوق زيّي، وأخذت يدي التي خدرت من الضغط، تضغط مرةً تلو الأخرى، ثابتة وعميقة. طلبت مني الاتصال بأهل العجوز، وبقيت هي رافعة هاتفها تُبلغ سيارة الإسعاف بموقعنا، بصوتٍ واضح تمامًا. لم نكن نعرف بعضنا، لكن على تلك المساحة الصغيرة من الأرض التي ينيرها ضوء الصباح، تناوبت عدة أيدي الضغط على لفافةٍ زرقاء بيضاء، كأنها تضغط على جزيرةٍ صغيرة ترفض أن تغرق.
اقترب صوت صفارة الإسعاف من بعيد. رفع الأطباء النقالة، وسألوا عن الحالة، وثبّتوا رأسه، بحركاتٍ أسرع من الريح. لحقت السيدة بسيارة الإسعاف وشرحت حالة العجوز بالتفصيل. تراجعتُ أنا إلى جانب الطريق، ورفعتُ دراجتي، وذراعاي مغطّتان بالغبار، وكفّاي لا تزال تشعران بالخدر الرقيق من ضغطٍ طويل.
تأخرتُ ذلك اليوم ثماني دقائق. نظرت إليّ معلمة الصف عند الباب، ولم تسأل عن شيء، وقالت فقط: «ادخلي أولًا». وبعد الحصة الثالثة، نظرت زميلتي في المقعد إلى ذراعيّ العاريين، ودسّت إليّ سترتها الاحتياطية: «البسي سترتي». كان عليها رائحة منظفٍ خفيفة. لفّفتُها حولي بتحكّم، وفكرتُ فجأة: هكذا إذًا يُتناقل الدفء من يدٍ إلى يد.
بعد يومين، مساءً، جاءت تلك السيدة إلى المدرسة. لقد نسخت اسم صفّنا من لصيقة الاسم داخل سترة الزيّ؛ فتلك اللفافة التي ضغطتُ بها على مؤخرة رأس العجوز كانت طوال الوقت «تقول» اسمي بدلًا عني. كانت تحمل كيسًا نظيفًا، فيه سترة الزيّ المطوية بعناية، مغسولة، ومنشفة حتى صارت ناعمة، وبقيت على ياقتها رائحة الشمس.
قلت لها: «سيدي، قماش قد اتّسخ، ما كان يلزم أن تغسليه.»
فقالت: «يد طفلةٍ أنقذت إنسانًا، فينبغي أن يعود القماش نظيفًا.»
وقبل أن ترحل قالت: «لولا أنكِ ركعتِ أولًا ذلك اليوم، لربما ترددتُ أنا أيضًا. أنتِ مددتِ يدك أولًا، فتجرأتُ على أن أتبعك.»
إذن لم أكن وحدي التي ترددت. إذن اليد الممدودة تستطيع أن تسحب أيديًا أخرى معها.
يوم حفلة افتتاح العام الدراسي، نطقوا اسمي على المنصة. سقطت آلاف العيون عليّ، وشدّدتُ قبضتي على الميكروفون، ونسيتُ فجأة كل ما حضّرتُه من كلام، فلم أقل إلا جملة واحدة: «لم أكن شجاعة那天، أنا فقط ذهبت.»
ساد صمتٌ لحظة في القاعة، ثم تصاعد التصفيق، طبقةً فوق طبقة، كريحٍ تعبر أوراق غابةٍ كاملة. وعند انصراف الحفل، ركضت إليّ طالبة من صفوف أدنى، ورفعت وجهها وسألتني: «أختي الكبيرة، هل خفتِ حينها؟» قلت: خفت. قالت: «وخافتٍ ذهبتِ؟» فضحكتُ وقلت: نعم، خائفة، ومع ذلك ذهبت. أومأت برأسها، نصف فاهمة نصف لا، ثم ركضت مبتعدة. بقيت واقفة في مكاني لحظة، وأحسستُ أن شمس أيلول جميلة حقًا.
ثم وصلني عن السيدة خبر: أن العجوز خرج من المستشفى، وقد تحسّن كثيرًا، ولا يزال يردد شكره لـ«الطفلة التي خلعت سترتها».
ما زلت ألبس تلك السترة. على الجانب الداخلي من الياقة، بقعة قماشٍ أغمق قليلًا، كختمٍ صغير. وحين تسألني زميلتي، أحكي قصة ذلك اليوم: الصوت الخفيض، والتردد، واليد التي مسكتني، والسترة التي عادت مغسولة، والتصفيق، وخروج العجوز من المستشفى.
وفي نهاية كل حكاية، أقول دائمًا الجملة نفسها:
إذا كان الزيّ المدرسي قد ساعد إنسانًا، فلم يبقَ مجرد زيّ مدرسي.
إنه شراعٌ صغير في صباح أيلول. تحت هذا الشراع، إنسانٌ مدّ يده أولًا؛ وخلفه، عددٌ لا يُحصى من الأيدي امتدت في أثره.
هذه القصة مألوفة عن حدث حقيقي، وجميع الشخصيات بأسماء مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية