Heartstories
رجوع
|
يدٌ ممدودة

يدٌ ممدودة

قصير 2026-09-09 · 4 دقيقة قراءة

ماء البركة في سبتمبر، مرآةٌ عتيقة مغبّرة.

إذا مرّت الريح، تجعّد سطح المرآة، حلقةً بعد حلقة، تمتدّ إلى قاعدة شجرة الحور المعوجّة على حافة البركة، ثم تهدأ على مهل. كانت عربيات التوصيل الكهربائية من حرم الشحن تمرّ على الدرب الصغير بجوار البركة رحلةً بعد رحلة، ترفع الغبار الذي يعود فيهبط ثانيةً. ولم يلتفت أحدٌ في هذا الدرب إلى تلك المرآة ولا نظرة.

بعد ظهر السادس من سبتمبر، حدّق فيها يانغ العجوز نظرةً إضافية.

نظرةً واحدة فقط، فقامت شعرُ مؤخرة عنقه وقوفاً في الحال — في قلب البركة شيءٌ رمادي مائل إلى البياض يطفو، كأنه كيسٌ بلاستيكي. لكن الكيس البلاستيكي لا يغوص ويطفو هكذا، ولا يمتدّ بكلّ الأحوال ذراعٌ منه تضرب سطح الماء ضرباً تجعّد رشّاته.

«إنسان! في البركة إنسان!»

خشَ صوتُ يانغ العجوز في الحال. وهو يصرخ بأقصى ما أوتي، يُخرج هاتفه، وقد ارتجّت يده فأخطأ الزرّين، قبل أن يُخرج ثلاثة أرقام.

«الشرطة؟ هذه البركة بجوار حرم الشحن! هناك عجوزٌ سقطت في الماء! نعم! لا تزال تتحرّك! أسرعوا—»

حُشِر الهاتف بين كتفه وأذنه، وهو يركض نحو حافة البركة. يانغ في أوائل الأربعين، بطنه يهتزّ كلّما ركض. هو لا يسبح. كان والده، في حياته، يردّد أنّ آل يانغ ورثوا الطفو على الماء بالمعكوس: حين يدخلون الماء يغوصون كالثقل المعلّق في الميزان، مستقيمين إلى القاع. لكنّ ما بقي في خاطر يانغ الآن فكرةٌ واحدة: ماذا يضرّ أن لا أسبح؟ الصوت موجود، والرِجلاّ موجودتان، والهاتف موجود. ففي سباق إنقاذ الروح، أنا أول العدّائين.

كصخرةٍ قُذفت، سقط الصياحُ في حرم الشحن.

في منطقة التحميل، سقط مسدسُ اللاصق من يد «ما» الكبير على الصناديق، وطاط الرجل راكضاً وهو ينزع أزرار قميص العمل. وعلى خط الفرز، وضع «كه» الصغير ماسح الباركود على الطاولة وصرخ نحو الجدار: «عمّ وي! سقطت امرأة في البركة!»

عمّ وي في السادسة والخمسين، كان يحتّئ على الجدار. أطفأ السيجارة على الأرض، ونهض ماشياً. لم يسرع، لكن خطاه كانت واسعة.

أما تسان فكان الأكثر إلحاحاً، وهو أيضاً لا يسبح — هذا عرفه يانغ لاحقاً. في ذلك اليوم انتزع تسان عصاً من الخيزران طويلة تُستخدم للتنزيل من الجدار، ورفعها راكضاً في الأثر، وهو الأصرخ صوتاً: «العصا! خذوا العصا!»

في قلب البركة، أصواتُ اليد تضرب الماء تخفت شيئاً فشيئاً.

رمى «ما» قميصه على الضفة، ولم يهتمّ حتى بساقَيْه، واقتحم الماء رأساً. ماء البركة في سبتمبر باردٌ يقرص العظم. حبس أنفاسه حتى بلغها، ولفّ ذراعيه فالتقط ثياباً رمادية.

«لا تدعها تعانقك! أعنقها من الثياب لا من جسدها!» كان عمّ وي قد وطأ الماء حتى صدره، وهو يزأر: «لا تدعها تلتفّ برقبتك!»

«ما» رافعاً من الأمام، وعمّ وي حاملاً من الخلف، يتحرّكان إلى الضفة خطوةً غائرة وخطوةً ضحلة. وطين القاع كيدٍ تعصر، سحبةً بعد سحبة، تجرّ الأجساد إلى الأسفل.

استلقى تسان على حرف البركة مائداً العصا إلى الماء: «عمّ وي! أمسك بالعصا!»

ضغط يانغ يده على أسفل ظهر تسان. وضغط «كه» على يانغ. عصا خيزران واحدة، اثنان في الماء وثلاثة على الضفة، خمسة موظفي توصيل صاروا خطاً واحداً. وخلف الخط، تعلّقت الخطر في لحظةٍ ما أيادٍ أخرى: أهالٍ جاؤوا على الصوت، سائقون أوقفوا سياراتهم، كلّهم مدهمون.

«ارفعوا!»

شعر يانغ أنّ ذراعَيه سيفكّان من مفصلهما. خرجت العجوز من الماء، شعرها أبيض كامل، ملتصقاً بوجهها مبلّلاً، ويلوث فمها الماء، وصدرها يعلو ويهبط.

«تتنفّس! إنها تتنفّس!»بحّ تسان صوته من الصراخ.

خلع «كه» قميصه وغطّى بها العجوز. انهار «ما» جالساً في الوحل، ممسحاً وجهه، لا يعرف إن كان في يده ماء البركة أم عرقاً.

في الأفق، صفّارة سيارة إسعاف تقترب من بعيد.

بينما كانوا ينتظرون الإسعاف، التقطت العجوز أنفاسها، ورجف شفتاها طويلاً قبل أن تنطق بأربع كلمات: «على النار… شيءٌ يَطهو…»

تجمّد الجميع لحظة، ثم انفجروا ضاحكين. وبينما يضحكون، دمعت عينا يانغ؛ أمّه، في حياتها، كانت هكذا، مع كلّ خريفٍ كانت متمسّكة بالقدر على النار، وأيّ فردٍ في البيت تأخّر عن العودة كان يُوبَّخ، وبعد اللوم، تُكوم اللحم في طبقه حتى يفيض.

حين وصلت ابنة العجوز، كانت قد فقدت حذاءً. أمسكت بأيدي الخمسة، عاجزةً عن كلامٍ مكتمل، لا تفعل سوى الانحناء، لتنتصب ثم تنحني ثانية. وقبل الرحيل أخرجت من حقيبتها حفنة نقود ترغبها في أيديهم، فأدار الخمسة أيديهم إلى ظهورهم وأرجفوا برؤوسهم كمسّاحات زجاج.

«يا أختي، حين نلحق بالأمر، لا يجوز أن نتظاهر بعدم الرؤية.»

«مسألة يدٍ تُمدّ في ممرّها.»

«وإن أردتِ فعلاً التعويض،» قال عمّ وي على مهل، «فلا تدعي العجوزة تلفّ وحدها قرب البركة بعد اليوم.»

انهمرت دموع الابنة من جديد. لكنها هذه المرّة هبطت وهي تضحك.

خرجت العجوز من المستشفى بعد نصف شهر. طلبت من ابنتها أن تدفع كرسيّها، وخطّت طريقاً خاصاً إلى باب حرم الشحن، حاملةً كيساً من فول الصويا الأخضر الذي قشّرته لتوّها من حقلها، ومن يرفض ترتفع معه. خمسة رجال كبير، أيادٍ تفرغ آلاف الطرود يومياً، قبضت على كيس فول، واقفةً في نسيم الخريف، تقول «شكراً» بثقلٍ وبتوقٍّ متوازيين.

كان عمّ وي كثير الكلام ذلك اليوم. حدّثهم أنه في الثانية عشرة من عمره، اختصرت أمّه طريقها إلى سوق القرية فسقطت في النهر، ورجلٌ غريب صاحب قاربٍ نجّاها. دفع الرجلها إلى الضفة، وأومأ بيده، وذاد بقاربه راحلاً، دون أن يترك اسمه. وظلّت أمّه تردّد اسم ذلك الرجل كلّ عمرها.

«حين نزلتُ الماء هذه المرّة، ما كان في رأسي سوى أمي.» حمل عمّ وي كيس الفول إلى صدره، كأنه يحمل طفلاً.

قامت لاحقاً عند البركة لافتةٌ تحذيرية زرقاء بحروف بيضاء، وأحيطت بسياجٍ بطول القامة، جهدهما معاً حيّ الشارع وحرم الشحن.

ومنذ ذلك اليوم، ما زالت عربة يانغ تمرّ على البركة كلّ يوم. ماء سبتمبر، ما زال تلك المرآة العتيقة المغبّرة، تتجعّد بالريح كما كانت، وتتماوج حلقةً حلقة إلى قاعدة الحور المعوجّ.

غير أنّ يانغ، في كلّ مرور، يلقي إليها نظرةً إضافية.

نظرةً واحدة، فيرتاح قلبه. لم يعد تحت المرآة شيءٌ آخر، سوى الماء، هادئاً لامعاً، يعكس السماء، ويعكس الحور، وقد عكس يوماً خمسة رجالٍ في أثواب العمل هموا وانحنوا، ليأسِسوا عجوزاً من قبضة الخريف.

هذه القصة مستوحاة من وقائع حقيقية، والأسماء كلّها مستعارة.

مستوحى من قصة حقيقية

← السابق مَقعدٌ واحد التالي → أكثر من مجرد زيّ مدرسي