مقعدٌ واحد
١
يأتي الخريف في يون فو متأخرًا، ففي أكتوبر ما تزال الشمس لاهبة.
حين وضعَت آه شيا ذلك المقعد الخيزراني أمام باب دكانها، لم تكن تحمل في ذهنها أيًّا من هذا المعنى. لقد شعرت فحسب أن مقعد أبيها الراحل، لو أُلقيت به، لكان ذلك إهدارًا.
كان المقعد مصنوعًا من خيزرانٍ عتيق، وقد صقلَتْه سُرُوالاتُ عشرات السنين حتى لمعتْ سطحته وكأنها مغموسة في شمع. كان أبوها يجلس عليه يدخّن، يجلس عليه يقشّر الفول السوداني، يجلس عليه يشاهد المارّة في الشارع. وبعد رحيله ظلَّ المقعد شاغرًا نصف عام، حتى أجرتْ آه شيا ذات يوم تنظيفًا شاملًا، فأخرجتْه من الغرفة الداخلية ووضعتْه أمام بقالتِها الصغيرة، على أن يجلس عليه من يتعِب من المارّة.
أول من جلس عليه لم يكن من الجيران، بل عجوزٌ ت جمع الكرتون.
كانت العجوز قد تجاوزت السبعين، ظهرُها مقوَّسٌ كالقوس، وشعرُها ملفوفٌ خلف رأسها في كعكة صغيرة قد شاب أكثرُها. كانت تدفع عربة ثلاثية العجلات متهالكة، محمَّلةً بعلب كرتون مفرودة، فلما بلغت باب البقالة توقفتْ فجأة، وحدَّقت في المقعد برهةً طويلة.
كانت آه شيا ترتِّب البضائع داخل الدكان، فرأتْ من خلف الباب الزجاجيّ العجوزَ تمُدُّ يدها—يدًا يغرق ظهرها في التجاعيد، أشبه بقشرة برتقالٍ يابس—فتلمس سطح المقعد، ثم تسحب يدها ولا تجلس.
ودفعتْ عربتَها ومضتْ.
وفي اليوم التالي عادت العجوز. هذه المرة جلستْ، ولم تجلس إلا لحظات قليلة، ثم ارتدتْ على ركبتيها وقامت ومضتْ.
وفي اليوم الثالث، جلستْ مدةً أطول.
ما لبثتْ آه شيا أن فهمتْ: ذلك المقعد لم يكن بالنسبة إلى العجوز مجرَّد مكانٍ لالتقاط الأنفاس. في هذا الشارع كلِّه كلمة واحدة مكتوبة: «ممنوع». ممنوع إيقاف السيارات تحت الأروقة، ممنوع تكديس الأغراض أمام المحلات، حتى الوقوف تحت الميزاب للاحتماء من المطر قد يستوجب أن يهزّ الناس أيديهم طاردِينك. عجوزٌ تدفع عربة وتجمع الكرتون، إذا تعبت من المشي، لم يكن في الشارع كله بقعة واحدة يجوز لها أن تجلس عليها.
ذاك المقعد كان العبارة الوحيدة في الشارع كله تقول: «بإمكانك».
٢
أسماء المسنين، أكثرُ الناس في الشارع لا يعرفونها. كانوا يلقَّبونها «جَدَّة الكرتون».
تدعى ليانغ، وقد عملت في شبابها في معمل الشاي بالبلدة، وتوفّي زوجها مبكرًا، فربَّت ابنها وحدها. ثم انتقل الابن إلى مقاطعة بعيدة، كان يرسل المال في البداية، ثم أصبحت الرسائل أقصر والمال أخفّ، وبعد ذلك لم يبقَ سوى مكالمة في عيد السنة، ثم بعد ذلك حتى المكالمات قلَّت.
رفضت الجدة ليانغ أن تلجأ إلى دار المسنين. كانت تسكن وحدها في بيتٍ عتيق على طرف المدينة، وتدفع كل صباح عربتِها خارجًا، تجمع الكرتون والقوارير، وتكسب في اليوم عشرين أو ثلاثين يوانًا. ليست أموالًا كثيرة، لكنها تكفي للطعام. كانت تقول إن الإنسان لا ينبغي أن يخلو؛ فإذا فرغَ من العمل صار البيت صامتًا أكثر من اللازم، صامتًا حتى تسمع صرير عظامك.
حين جلستْ أول مرة على المقعد الخيزراني، لم تلبثْ دقيقةً حتى قامت. لم تكن غير راغبة في الجلوس، بل خائفة. خافت أن تُمْهِلَ في الجلوس فيندم على صاحبته فلا تجوز الجلسة في المرة القادمة. أولئك الذين عاشوا فقراء عمرَهم كلِّه، لديهم في مواجهة «الإحسان» حذرٌ فطريّ—فالإحسان كالغيمة في السماء، تبدو جميلة، ويكفي أن تتلبد فتتلاشى.
لكن ذاك المقعد ظلَّ موجودًا.
موجود في اليوم الأول، موجود في اليوم الثاني، ومضى شهر وما زال موجودًا. فأخذت الجدة ليانغ تجلس بقلبٍ مطمئن. وضعتْ لنفسها قاعدة: كل صباح تملأ عربتِها، وتعبر أمام البقالة، فتجلس ربع ساعة، تشرب الماء الفاتر الذي تحمله معها، تشاهد الناس يأتون ويذهبون، ثم تواصل سيرها.
وحين تخرج آه شيا من الدكان، تضيف أحيانًا قليلًا من الماء الساخن إلى قارورة الماء الفاتر. تتحفَّظُ الجدة ليانغ، فتقول آه شيا: «في الغلاية زيادة، ويؤسفني أن نُهدرها».
فتفكر الجدة ليانغ: هذه الفتاة، يعجب كلامُها.
٣
بقالة آه شيا في رأس الشارع، تبيع التبغ والماء والاحتياجات اليومية، وبيعُها ليس بعظيم ولا بيسير. توفّي زوجها في حادث مرور قبل سنوات، وهي الآن تربّي ابنها التلميذ وحدها وتدبّر هذا الدكان. يقول الجيران إن نصيب آه شيا عسير، لكنها نفسها لا تقول ذلك كثيرًا. تقول: العيش يُعاش، ولا يُروى.
وما شعرتْ هي بأنها فعلتْ شيئًا. مجرَّد مقعد، موضوعٌ أمام الباب، لا يزاحم أحدًا.
لكن الجدة ليانغ كانت تتذكر.
وبعد دخول الشتاء، لاحظت الجدة ليانغ أمرًا: مزرَبُ الصرف أمام البقالة يتراكم عليه الدرج باستمرار، ويتسدَّد كلما أمطرت. فكانت تعبر كل يوم فتأخذ المكنسة الخيزرانية تمسح عنه بيدٍ عابرة. رأتْها آه شيا ذات مرة فقالت: «جدّتي، لا تشقّي نفسيك، سأمسحه بعد قليل».
فأومأت الجدة ليانغ بيدها: «أنا فراغ عني فراغ».
ومن يومها ظلَّ مدخل البقالة نظيفًا دائمًا. مازح جارٌ آه شيا: «هل وظَّفتِ عاملة نظافة؟»
ضحكت آه شيا، لكن شيئًا حادًّا لُمس في قلبها. لقد رأتْ يدي الجدة ليانغ، مفاصلَها متورمة كالزنجبيل العتيق، تتشقَّق كلما برد الجو. يدان كهاتين، تمسحان لها الدرج كل يوم، مسحًا امتدَّ الشتاء كله.
وفي السادس والعشرين من الشهر الأخير من السنة، بدأ الناس يُفرقون الألعاب النارية في الشارع. حضَّرتْ آه شيا مسبقًا مغلفًا أحمر وضعَتْ فيه مئتي يوان. وحين دفعت الجدة ليانغ عربتِها، اعترضتها آه شيا ودسَّت المغلف في حضنها.
«جدّتي، عيدية السنة الجديدة، خذيها واشتري لك شيئًا شهيًّا».
ترنَّحت الجدة ليانغ حيث وقفت. لم تكن قد تلقَّت عيدية من هذا القبيل في حياتها—تلقَّتها في شبابها، من الكبار إلى الصغار؛ وأعطاها هي لابنها. أما امرأةٌ في سنِّها وفي حالها، فكان قد أُقصيت منذ زمن من خارج كلمة الاحتفال تلك، «العيدية». كانت السنوات تُكابَد سنةً فسنة، لا تُنتظر سنةً فسنة.
احمرَّت محيط عيناها في الحين، ومسحتْ يدها على صدر قميصها مسحًا مرارًا قبل أن تجرؤ على أخذها.
«يا فتاتي، بياعُك أنتِ أيضًا ليس بياعًا ييسرَ…» تمتمت.
«إنه ييسر»، ضحكت آه شيا. «أنتِ تمسحين أمام دكاني كل يوم، وأنا لم أدفع لك أجرَ يومٍ واحدٍ بعد».
وبعد أن عادت الجدة ليانغ إلى بيتها، وضعت المغلف الأحمر تحت وسادتها، وظلَّ هناك شهرًا كاملًا، لم تشأ أن تصرفه. قالت لصديقتها العجوز في البيت المجاور: «في هذا الشارع، ثمة من يعتبرني إنسانًا».
٤
وبعد مطلع السنة، حدث أمران.
الأمر الأول كان مساء يومٍ في مارس. عاد ابن آه شيا، شياو يو، من المدرسة وجلس يكتب واجباته في الدكان، حتى نام منكبًّا على المنضدة. مرَّت الجدة ليانغ ت جمع الكرتون فرأت باب الدكان مفتوحًا والطفل نائمًا في مسار الهواء، فدخلت، وخلعت معطفها القديم وغطَّت به الطفل، ثم أحضرت مقعدًا صغيرًا وجلست عند الباب حارسةً حتى عادت آه شيا.
«جدّتي، لماذا جالستِ هنا؟»
«أحرس الطفل»، قالت الجدة ليانغ بكلامٍ عادي. «الباب مفتوح، والناس خليط، أيادي كثيرة».
وقفت آه شيا عند الباب، ولم تستطع قول كلمة نصفَ يوم. تذكرت أنه في هذه السنة وما مضى منها، كم مرة أضافت ماءً ساخنًا لقارورة الجدة ليانغ؟ في الحقيقة لم تعدّها قط. أما ما قدمت له الجدة ليانغ لها، فكانت تسجِّله في قلبها بندًا فبندًا.
والأمر الثاني كان في مايو. تلقَّت آه شيا ذات يوم دفعَ ثمن بضاعة، وكان في مغلفٍ أكثر من سبعة آلاف يوان نقدًا، وفي ضجيج انشغاله سقط المغلف على المقعد الخيزراني أمام الباب. وحين اكتشفت ذلك كان العتمة قد حلت، ونزل ثِقلُها على قلبها—فذلك المقعد جلسَ عليه في النهار أكثرُ من طائفة.
لم تنم جيدًا تلك الليلة.
وفي الصباح الباكر، قبل أن يُفتَح الدكان، كانت الجدة ليانغ واقفةً عند الباب منتظرة، والمغلف محمولٌ في حضنها.
«مررتُ أمس بعد الظهر فرأيت المغلف على المقعد»، قالت الجدة ليانغ. «ناديتك، ولم تكوني. فجلست أنتظارك، فلم ألقَك، فحملتُه إلى بيتي، ولم تُغمض لي عينٌ ليلةً كلَّها. وبمجرد أن طلع الفجر جئت. يا فتاتي، عُدِّيه، أليس سبعة آلاف وثلاث مئة؟»
عدَّتها آه شيا، ولم ينقص فلسٌ واحد.
«جدّتي، أنتِ ما تكسبين من الكرتون في يوم كله عشرين أو ثلاثين يوانًا…»
«ولهذا فهو أحرى ألا آخذه»، قالت الجدة ليانغ بحزمٍ قاطع. «مالٌ ليس لي، لو أخذتُه لم أنم ليلتي. عشتُ فقيرة عمري كله، لكنني لم آخذ من أحدٍ فلسًا واحدًا من غير وجهٍ حقٍّ. أنتِ أحسنتِ إليَّ وأنا أعلم ذلك في قلبي، لكن أصدق الوِدادات وِداد، وليست مالك أنتِ».
أرادت آه شيا أن تدسّ إليها ألف يوان عربونَ شكر، فرفضت الجدة ليانغ مهما أُلِحَّت، وتحاولا الأمر طويلًا، حتى ضاق ذرعاً وقالت: «إن أصررتِ على الإعطاء، فلن آتي لأجلس على مقعدك بعد اليوم».
فلم يكن أمام آه شيا أن استردَّها. وفي ذلك اليوم، شاهدت الجدة ليانغ تدفع عربتِها مبتعدة، ظهرُها المقوَّس يتذبذب في ضوء الصباح موجًا فموجًا، فأدركتْ فجأة شيئًا ما.
إتضح أن أوفقَ علاقةٍ في هذا العالم ليست أن يُمنِحَ أحدهم الآخرَ صدقةً، بل أن تُعطي مقعدًا، فيرد لك ليلةَ نومٍ هانئة. لا يغرمُ أحدٌ أحدًا، وكلاهما يحفظ الآخر في قلبه.
٥
ثم انتشر الخبر.
بدأ الجيران يتحدثون، ثم صوَّر أحدهم مقطعًا ونشره على الإنترنت: في الصورة، عجوزٌ تجلس على مقعدٍ خيزراني أمام بقالة تغربل فيها الشمس، وبجانبها سطرٌ صغير: «أكثر مقعدٍ في هذا الشارع دفئًا بالإنسان».
في التعليقات قولٌ لمَ: «أنا أيضًا أود أن أضع مقعدًا أسفل بيتنا».
وقولٌ لغيره: «الطيبة مُعدية؛ مقعدٌ واحد، أمسك إنسانًا واحدًا قبل أن يسقط».
وجاءت وسائل إعلام محلية لتقابل آه شيا، تسألها لماذا وضعت المقعد من أصل الأمر. خجلت آه شيا من السؤال، وفكرت طويلًا ثم قالت: «لا شيء؛ والمقعد فراغ عنه فراغ».
ثم ذهب الصحفي ليسأل الجدة ليانغ. وقفت أمام الكاميرا لا تدري أين تضع يديها، ولم تقل في آخر الأمر إلا كلمتين: «القلب بالقلب يُقايَض».
هذه الكلمتان حُمِّلت عنوانًا، فانتشرت أوسع من نصٍّ كتبه الصحفي في نصف صفحة.
٦
وهو شهرٌ أخير من سنةٍ أخرى.
حضَّرت آه شيا العيدية كعادتها، وختمت هذه المرة ثلاث مئة يوان. وتحفَّظت الجدة ليانغ كعادتها، وأخذتها كعادتها واحمرَّ محيطُ عينيها. وكانت الجدة ليانغ كعادتها أيضًا: في آخر يوم عمل قبل السنة، مسحت البقالة داخلًا وخارجًا، حتى انتزعت أعقاب السجائر من شقوق الدَّرَج.
وفي ليلة رأس السنة، جلسَت الجدة ليانغ وحدها في بيتها العتيق، طبخت قدْرًا من أرزِّ اللحم المقدَّد، وأشعلت التلفاز تشاهد احتفال رأس السنة. تحت وسادتها مغلفان أحمران—أحدهما من آه شيا، والآخر من إسكات الأحذية عند رأس الشارع، الذي لم يُدرَ كيف فعل هذا العام: أضاف عند بسطته مقعدًا طويلًا، وختم للكبار العابرون ليرتاحوا عيديةً كذلك.
وحين حلَّ اليوم الأول من السنة، دفعت الجدة ليانغ عربتِها خارجًا، ولم يكن عليها الكرتون فحسب، بل كيسٌ صغير أيضًا من الخضار التي جفَّفتها بنفسها. وصلت إلى باب البقالة، والمقعد الخيزراني في مكانه القديم، وقد لمعتْ سطحتُه ألمع مما كان، بسراويل مَن مَرَّ في هذه السنة، وهم أكثر.
استقبلتها آه شيا خارجةً: «جدّتي، سنةً سعيدة! ادخلي اشربي شايًا، حديث الرَّوْنَق».
«سنةً سعيدة، سنةً سعيدة»، دسَّت الجدة ليانغ كيس الخضار في يد آه شيا. «مجفَّفة في البيت، للشوربة».
جالست المرأتان عند باب الدكان، وكانت قصاصات الورق الأحمر من الألعاب النارية قد تكسَّرت في الشارع كلَّه، كطبقة رقيقة من الزهور مفرودةً على الأرض. خرج شياو يو ليهنئ الجدة ليانغ بالسنة، نادى بصوتٍ رنَّان: «جدة ليانغ!» فأخرجت الجدة ليانغ من حضنها حزمةً من منديلٍ باهت اللون، فتحتْه، فيه بضع حبَّات سكر، قشَّرتها واحدةً واحدة لشياو يو.
وعلى المقعد الخيزراني، كانت الشمس في أحسن حضن.
المقعد ما زال ذلك المقعد، تركة الأب. لكن آه شيا تدري أنه لم يبقَ مقعد بيتها وحده. إنه قلبُ شارعٍ بأكمله؛ تضعه خارجًا، فيصير في هذا العالم أناسٌ يجلسون عليه، ثم يقفون، فيمسحون عنك درج بابك كلَّه مسحًا نظيفًا نظيفًا.
(انتهى)
هذه القصة مستوحاة من وقائع حقيقية، وجميع الشخصيات بأسماء مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية