مصباح الساعة الثانية فجرًا
أولاً
الرابع عشر من يوليو، صافٍ، ارتفاع أربعة آلاف ومئتا متر.
في الحادية عشرة والنصف ليلاً، ضلّ أسطولنا دراجات النار الطريق تمامًا في جبال كونلون.
اسمي تشن يوي، من قوانغدونغ، دخلتُ التبت على دراجة نارية، وكانت هذه هديةً أهديتها لنفسي في عامي الثلاثين. رافقني رفيقان: آ فنغ ودا شو. كانت خطتنا أن نعبر الممرّ الجبلي قبل المغيب ونبيت في البلدة الواقعة خلف الجبل. لكن بَرَدًا مفاجئًا بعد الظهر أربك كل شيء، وحين توقّف، كان الليل قد سوّد، وكان الملاح محدّقًا في الأحراش بدوار، وخانات الإشارة فارغةً كشحوم بطوننا.
ليست أرض الهضاب ليلًا سوداء، بل شيء أزرق داكن ذو ثِقَل، يثقل على الحلقة الضوئية الصغيرة التي تخترقها مصابيحنا. كانت الحرارة تهبط بسرعة البرق؛ نهارًا كانت ملابس الدراجة تكفي، أما الآن فكان الريح يتسلل إلى الأالياء، كأن أحدًا يلصق كيس ثلج على عمودي الفقري.
«لا نستطيع المواصلة،» قال آ فنغ وقد أوقف دراجته على قَرْب الطريق، وصوته يرتجف. «إن أمررنا، فإما أن نسقط أو نتجمد.»
فرك دا شو يديه وتنفّس في كفّيه: «هل من بيت قريب؟»
لم يجد أحد جوابًا. كانت هذه المنطقة من الخريطة فارغة، إلا من خطوط كانتور متزاحمة كثيفة، كحواجب الأرض المقطّبة.
دفعنا دراجاتنا إلى سفح صخرة تحمينا من الريح، وتشاورنا: أن نبيت مكاننا أم نواصل السير. لو باتنا هنا، ثلاثة نتلاصق نتحمل حرارة الليل دون الصفر بملابسنا وحدها، فما من برء من خطر انخفاض حرارة الجسم؛ ولو واصلنا في هذا العتمة، فتحت الطريق هاويات سحيقة.
وعندئذٍ أشار دا شو إلى بعيدٍ قائلًا: «انظروا—»
في أعماق الظلام، نقطة ضوء صفراء.
صغيرة، ثابتة، لا تومض ولا تتحرك. كأن أحدًا، في هذا القفر القديم الخالد، ترك مصباحًا للعابرين.
ثانيًا
كتبتُ لاحقًا في مذكّرتي: ليلةَ ذلك اليوم، حين سرنا نحو ذلك المصباح، لم يتكلم أحد. صوت العجلات تسحق الحصى كان أقرب صوت سمعته في حياتي إلى صوت «العودة إلى البيت».
كان حوشًا من الطين الندي منعزلًا في نصف الجبل، سوره ليس عاليًا، وفي صحنه كلبان مربوطان. المصباح لمبة قديمة معلقة فوق عتبة الباب، واطئة الواط، صفراء خافتة، لكنها كانت تضيء باهرةً في ليل الهضاب.
بحبح الكلبان، فدبّ حركة في البيت. انفتح الباب، فوقف في العتبة رجل في خمسينياته، وجهه نحاسي، وتجاعيد عينيه غائرة كحواف الجبال. خلفه امرأة وطفل في أواخر الطفولة، كلهم في ألبسة قطنية قديمة ثقيلة.
«دراجون ناريون؟» سأل الرجل، ولهجته ثقيلة لكنها مفهومة.
«نعم يا أخي، ضللنا الطريق،» قالتها فكانت على شفتيّ، «هل… هل يمكن أن نبيت ليلة؟»
ما إن خرجت الكلمة حتى ندمت. من يجرؤ في المدينة على طرق الأبواب في عز الليل ويفتح فمه بطلب كهذا؟
لم يردّ الرجل بالتردد. أزاح جسده مفتحًا الباب، وقال جملة واحدة:
«ادخلوا. ماذا لو صابكم مكروهٌ وأنتم تتجولون في الجبال بهذا الوقت؟»
هذه وحدها، دون استجواب، دون تردد، بل دون أن يسألنا أولًا من نكون.
عرفنا لاحقًا أن اسمه تسيرينغ، وهو صاحب هذه المراعي. كان المصباح معلّقًا عند بابه عمدًا؛ قال: ليل المراعي مظلمٌ بشدة، فإذا سرى أحدٌ في الظلم فرأى المصباح، عرف أن هنا بيتًا.
«هل يبقى المصباح مضاءً دائمًا؟» سأل آ فنغ.
خمش تسيرينغ رأسه، وكأن الأمر لا يستدعي جوابًا: «المصباح يا صاحبي صُنع ليراها الناس. فما فائدة تعليقه إن لم يره أحد؟»
ثالثًا
الخامس عشر من يوليو.
أحضرت لنا صاحبة البيت دروما شاي الزبدة الساخن وتسامبا شحيحة. اشتعلت نار روث البقر في الموقد، فأذابتنا نحن الثلاثة المجمدين قطرًا قطرًا. كان دورجي الصغير، ابن تسيرينغ ذو الستّ أعوام، يتربص بنا من خلف ستارة الباب، فأومأ له آ فنغ فاقترب، ونظر إلى البحر في هاتف آ فنغ — لم يرَ البحر قط.
«كبيرٌ البحر؟» سأل دورجي.
«أكبر من كل جبالكم هذه إذا جُمعت جميعًا،» قال آ فنغ.
دوّر دورجي عينيه، وتأمل طويلًا، ثم قال بجدّية: «وهل في البحر أيضًا مصباحٌ في الليل؟؟»
ضحكنا نحن الثلاثة، ثم اشتهينا البكاء بعد الضحك. قال آ فنغ: «نعم. في البحر منارات، وهي أيضًا للضالّين ينظرون إليها.»
بنَا في الليل على مهاد متصلة في البيت الرئيسي، وكان في الأغطية رائحة الشمس. سمعت الريح تعوي خارجًا، وتذكرت أننا قبل ساعات كنا محاصرين بين بَرَدين في حوض الجبل، فبدا ذلك كعمرٍ منفصل.
رابعًا
في صبيحة الغد، خرج تسيرينغ بدراجته النارية، وعاد ومعه راعٍ شاب من أهل منطقته — يعرف الطريق. أوصاه ببضع كلمات، ليأخذنا في درب رعوي يعبر الممر الجبلي، نوفر بذلك أكثر من ساعتين، ونتجاوز مقطع الطريق المنهار.
وقبل الوداع، أردنا أن نعطيه مالًا. هذا غريزة أهل المدينة — من ساعدك تُسدّد له ثمنه، فلا تبقى بينكما ذمّة.
رفع تسيرينغ يده، رفضًا حازمًا.
«لا،» قال.
«يا أخي، هذا حقّك،» حاولتُ أن أضع المال في يده.
دفع يدي بعيدًا بقوة كبيرة. ثم قال كلامًا ما زلتُ أذكره كلمةً كلمة إلى اليوم. فرك يديه الخشنتين كقشر الشجر، وقد غلبته حرجٌ خفيف، لكن صوته كان راسخًا:
«أنا عضو في الحزب الشيوعي. العضو في الحزب، إذا جاءه إنسانٌ في مشقة، ف عليه أن يكفل.»
قالها بعفوية، كأنه يقول إن الطقس جميل اليوم، أو إنها ساعة انتقال الأغنام إلى مرعى جديد.
ساد الصمت الحوش. غلي الغلاية على الموقد خريرًا.
في ثلاثين عامًا سمعتُ كلامًا بديعًا كثيرًا: في قاعات الاجتماعات، على موائد الشراب، في حفلات التخرج. لكن لا كلمة واحدة هزّتني كهزّة هذه الكلمات، من راعٍ في جبال كونلون، يفصلهما عن العربية الفصحى لهجةٌ غليظة، وهو يفرك يديه.
احمرّت عينا آ فنغ. أخذ دا شو المال راجعًا، وانحنى انحناءةً وقورة عميقة.
حشرت دروما في كل حِمل من أحمالتنا خبزًا ولحمًا مجففًا، حتى انتفخا. ركض دورجي خلف دراجاتنا خطوات قليلة، نادى: «مصباحُ البحر، فليبق مضيئًا دائمًا—»
خامسًا
العشرون من يوليو، لاسا.
عبرنا الممر الجبلي على الدرب الرعوي بسلام. وبعدها أكملنا الرحلة كلها، وعُدنا إلى قوانغدونغ سالمين.
وبعد عودتي حدثت أشياء صغيرة أريد تدوينها.
أرسل آ فنغ إلى المدرسة الابتدائية في البلدة الواقعة خلف الجبل صندوقي كتب مصوّرة، ومنها كتابٌ عن البحر والمنارات. وسجّل دا شو نفسه متطوعًا في فريق الإنقاذ الجبلي في مدينتنا؛ قال: ليلةَ ذلك اليوم، لولا ذلك المصباح، لعلمتُ أين أكون الآن. أريد أن أكون مصباحًا لغيري.
أما أنا، فكتبت كلام تسيرينغ على لوحة إعلانات الورشة. مرّ عاملٌ وسأل: مَن قال هذا؟ قلت: راعٍ في جبال كونلون. تأمل في اللوحة طويلًا دون كلام، وفي الغد بقيةً بعد دوامه متطوعًا، وأصلح لمعلمه الجديد المخرطة ساعةً إضافية.
وقبل عيد الربيع هذا العام، جمعنا الثلاثة مبلغًا من المال، وأرسلنا مع شركة الشحن صندوقًا كاملًا إلى الجبل: مصباحًا رأسيًا مضادًا للريح لتسيرينغ، وبطانية كهربائية لدروما، ومنظارًا صغيرًا لدورجي — نجوم الجبل بهيّةٌ تلك، وقد استحقّت منظارًا.
يومَ وصول الشحنة، أرسل تسيرينغ رسالة صوتية، كانت الإشارة تتقطع، فاستمعنا إليها مرات حتى أكملناها. قال:
«وصلت الأغراض، شكرًا. المصباح الرأسي جيد، يفيدني في دورية المرعى ليلًا. متى تعودون؟ أُصلِح الطريق، صار سالكًا. المصباح، ما زال معلّقًا.»
الكلمات الأربع الأخيرة قالها ببطء.
المصباح، ما زال معلّقًا.
سادسًا
الرابع عشر من يوليو (حاشية، كُتبت في العام التالي).
قد عاد هذا اليوم من جديد. في مثل هذا اليوم من العام الماضي، في الساعة الثانية فجرًا، طرقتُ بابًا لا أعرف صاحبه.
يقول الناس كثيرًا إن القلوب قد قسوت، وإن ما في القلوب مخفيّ. لكن في مكانٍ يرتفع أربعة آلاف متر، في قلب القفر الأبعد عن سماء الناس وأقربها إليها، علّق إنسانٌ عاديّ مصباحًا فوق عتبة بابه، وسنواتٍ طويلة هو معلّق. لا يعرف أن يبثّ الحكم، يقول فقط: من جاء في مشقة، ف عليه أن يكفل.
ما علّمتني إياه تلك المصباح ليس جمال الأماكن البعيدة، بل أن—
في هذا العالم، هناك مَن يضيء مصباحًا للغرباء في مكانٍ لا تراه.
وعليك أن تحفظ ذلك، ثم بعد أن تعود إلى بيتك، أن تُضيء أنت أيضًا مصباحًا.
في الأسبوع الماضي، أضاف آ فنغ إلى مؤخرة دراجته شيئًا: مصباح طوارئ صغيرًا، على وضع الإضاءة الدائمة. لا حاجة له في المدينة، لكنه قال: ومن يدري، ربما في ليلةٍ من الليالي، يحتاج أحدٌ أن يرى خيط ضوء.
المصباح، ما زال معلّقًا.
هذا النص مستوحى من أحداث حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.
(انتهى)
مستوحى من قصة حقيقية