معبر الحروف
المطر في خط الاستواء لا ينتظر وقتاً، يأتي متى شاء. تقطر قطراته على أوراق الموز، طَق، طَق، طَق، وكأن أحدهم في مكان بعيد يَسحُنُ حبراً.
خريف عام ألفين وخمسة، في مقديّة (بونتياناك). جلست هو نيان جِن، وشرعت في السادسة والخمسين، في الصف الأخير من الفصل، وعلى ركبتيها كتابٌ تعليمي جديد بالصينية، صفحاته مشدودة، ورائحة حبره تعانق الأنف. مدّت يدها لتسوّي ثنية صغيرة في الزاوية، ثم سحبتها، كأنها تخاف أن تُفزع شيئاً نائماً.
كانت هذه إحدى نقاط التدريس التي أنشأتها كلية اللغة الصينية في المدينة، تعليمٌ عن بُعد، والدُفعة الأولى من الطلبة. كان الفصل مزدحماً بالشباب، ووحدها كانت قد ابيضّّ صدغاها. أومضت الفتاة في المقعد الأمامي بالتطلع إليها من الكتف، ومضت في خاطرها أنّ هذه عجوزٌ ربما جاءت لتسجّل حفيدها، غير أنها كانت جالسة منتصبة أكثر من الجميع.
الطباشير يعلو على السبورة وينخفض. خطّة، وشرطة أفقية، وشرطة عمودية.
فجأة، لم تعد تسمع الصف.
طَق، طَق، طَق، ليس مطراً، بل والدها يسحُنُ الحبر. قبل أكثر من نصف قرن، كان المطر ينزل هكذا في فناء البيت القديم. كان أبوها من الرحّالة إلى جنوب البحار، لم يحمل صندوقه العابر للمحيط فضةً وذهباً، بل كتباً، أغلى من الحياة نفسها. في الليل، بعد إغلاق الدكان، كان ينشر الورق، ويغمّس القلم، ويكتب «السماء سوداء والأرض صفراء»، ويتلو «زقزقة العصافير على النهر»، وكانت هي مستلقية على حافة الطاولة تنظر، فيناولها القلم: «يا بنيتي، اليد أن تكون مستقيمة، والقلب ساكناً. الحروف هي عظام الإنسان.»
ثم شقت الأيام عسيراً، فطُوِّبت الكتب بقطع من القماش المشمّع ثلاث طبقات، وخُبّئت في العلية. رحل الأب، وبقيت له حجر الحبر. فتحت دكاناً صغيراً، وتزوجت، وأنجبت، وجرى العمر كماء نهر كابواس؛ ساكنٌ على سطحه، لكن في قاعه تيارات خفية. وفي الليل وحدها، بعد أن تُثبَّت الألواح على الأبواب، كانت تجرؤ على إخراج تلك الصفحات الهشّة، وتقرأ صفحةً صفحةً على ضوء قنديل. قرأت عقوداً. وظنّ الجيران أن صاحبة الدكان هذه امرأة غريبة الأطوار، تعيش وسط كومة ورقٍ قديم لا يفهمونه.
«العزيزة الطالبة، اقرئي الفقرة الثالثة.»
عادت إلى نفسها، ووقفت، ولم يرتجف صوتها: «قال المعلم كونغ: من تعلّم ثم مارس ما تعلّمه في حينه، أفلا يسرّه ذلك؟»
التفّت إليها الشابة جميعاً، وعيونها تلمع. جلست، ولمّست الصفحات بلُطف، كمن يلمس طفلاً عاد إليه بعد أن ضاع.
يوم التسجيل، حدّق بها الموظف، وقلمه معلّق في الهواء طويلاً. ضحكت: «اكتب، ستّ وخمسون. قراءة الكتب لا تسأل عن العمر.»
هذه القراءة استمرت عشر سنين.
في تلك العشر سنين، تبدّلت لها الكتب التعليمية ثلاث مرات، وقد صارت حوافّها منفروشة من كثرة المس، وأطراف صفحاتها مليئة بخطٍّ دقيق كرؤوس الذباب، تلك الملاحظات التي صارت لاحقاً طريقها الخفيّ إلى أسرار إعداد الدروس. فإذا بالتعليم الصيني في الخارج له منهج كامل: أولاً الحروف، ثم الجمل، والجمل متى اتصل بعضها ببعض، صارت عيشةً وكرامة. كانت تنهض قبل الفجر، وتُردّد وراء الشريط المسجّل جملةً جملة، حتى صار عصيدة القدر ذات صباحٍ أطيب رائحة. وفي عام ألفين وخمسة عشر، وصلت ورقة نتيجة المادة الأخيرة، فأمسكتها بيديها ووقفت في الفناء زمناً طويلاً. عاد المطر، يطرق أوراق الموز. قالت في سرّها: أبتِ، لقد تخرّجت.
كان ينبغي أن ترتاح. لكنها لم تستطع أن ترتاح.
في البلدة شابةٌ كثيرون يتعلمون الصينية في الدُور والفصول الليلية بحرارةٍ وحماس، لكن أيديهم لا تحمل شهادةً معتبرة واحدة. وتأتي الشركات الصينية تطلب عمالاً، تشترط الشهادة والوثيقة. أولادٌ يكتبون خطاً عذباً، ولا يستطيعون دخول ذلك الباب. هناك فتاة تُدعى شارين، درست سبع سنين، وعندما طرحت سؤالها على الشركة الثالثة، هزّوا رؤوسهم بأدب، فواقفت في الشارع زمناً طويلاً دون أن تحرّك قدمها.
في السادسة والستين من عمرها، اتخذت هو نيان جِن قرارها: أن تؤسس مدرسة.
كلية معتبرة، لا تُدرّس إلا الصينية، حتى مستوى الدرجة العلمية. التصاريح، والمبنى، والمدرّسون؛ أيّ شيء من ذلك ليس عسيراً؟ كانت تطوف على الدوائر الحكومية رحلةً بعد رحلة، وتستدعي المدرّسين واحداً واحداً، وأفرغت الطابق الأرضي من بيتها ليجدّ فصولاً دراسية، وكتبها التعليمية من تلك الفصول الأولى صارت أوّل مؤلفات الكلية، والمنهج الذي تعلّمته من التعليم عن بُعد صارت دستورها. حذّرها قائل: «يا عجوز، ما الذي تسعين إليه؟» كانت يدها تمرّ على حجر الحبر القديم المعلّق على الحائط، فيفيض كلام أبيها: الحروف هي عظام الإنسان.
قالت: «الكتب عبّرتني. والآن أبني معبراً.»
سُمّيت الكلية «غُونغ وَانغ» — التطلع المشترك. «غُونغ» أي معاً، و«وَانغ» أي رؤية. ومنذ ذلك الحين، من بين آلاف مؤسسات التعليم العالي المعتمدة في إندونيسيا كلها، لم تكن سوى هذه وحدها التي تفتح تخصصاً في اللغة الصينية.
يوم دخول الدفعة الأولى، وقفت على المنصة، وكتبت في وسط السبورة حرف «رِن» — الإنسان. شرطة مائلة، وشرطة مائلة؛ اليد مستقيمة، والقلب ساكن. وفي المقاعد أمامها جلوس أطفال، بينهم وجوهٌ من أصول صينية ووجوهٌ من شعوب البلاد كافة، وعيونهم كلها تلمع، تشبه تماماً عيونها هي في ذلك الزمن.
مرّت عشر سنين أخرى.
تخرّجت في الكلية سبع دفعات، وتخرّج من بابها نحو ستمئة شابٍ وشابة، إلى الشركات والمكاتب التجارية ومراكز التعليم. وجاءت شارين أيضاً، مرفوعةً هاتفها، وأصابعها ترتجف: خطاب التعيين. قالت بالفصحى الصينية السليمة، كلمةً كلمة: «مديرة هو، أنتِ من فرشتي هذا الطريق.»
لوّحت هو نيان جِن بيدها، ثم التفتت لتكتب على السبورة. الطباشير يعلو وينخفض: خطّة، وشرطة أفقية، وشرطة عمودية.
خارج النافذة، عاد مطر خط الاستواء، يطرق أوراق الموز، طَق، طَق، طَق.
وكأن أحدهم في مكان بعيد، على مهل، يسحُنُ حوضاً من حبرٍ جديد.
(انتهى)
هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية، وجميع الشخصيات بأسماء مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية