Heartstories
رجوع
|
أعِد الجسر معك

أعِد الجسر معك

قصير 2026-09-13 · 3 دقيقة قراءة

أعِد الجسر معك

واحد

الثانية فجرًا، في غرفة القسطرة بمدينة شيامن، لا يُسمع سوى همس الآلات الواطئ.

حبست لين آن يا أنفاسها. السلك التوجيهي تحت أصابعها يتقدّم بسرعة تُحسب بالمليمترات، يتسلّل نحو وعاء دموي شبه مسدود. وفجأة، اندفع الصبغة على الشاشة، كسهلٍ جافٍّ انتظَر طوفانًا منذ زمن.

قال تشو هينغ، أستاذها المُدرِّب، بصوتٍ هادئ: «TIMI درجة ثلاثة. تدفق الدم… انفتح بالكامل».

أنفَس الرجل السبعيني على سرير الجراحة نفَسًا عميقًا طويلًا؛ فالألم الذي كبَل صدره ساعتين بدأ ينسحب كالمدّ المتراجع.

كان هذا اليوم رقم ثلاثمئة وأربعةً وستين للين آن يا في شيامن. غدًا، ستحلّق إلى سورابايا.

اثنان

في ليلة تحضير الحقائب، جاء تشو هينغ لتوديعها، وأدخل في صندوقها شيئًا: نموذجًا معدنيًّا صغيرًا لدعامة القلب، لين كالزنبرك، قادرًا على الانفتاح.

قال: «للتعليم. خذيه. في عمل القسطرة، الحدّاد يتكلم بيده لا بلسانه. يداك… أصبحتا يدَي طبيبة».

أرادت أن تشكره، فلوّح بيده: «عُدي. هناك، من ينتظرونك أكثر ممن هنا».

مرّت سيارة الأجرة على الجسر العابر للبحر. تحته البحر في عزّ الليل، وفوقه الأنوار تتراجع مصباحًا فمصباحًا. حين عبرت هذا الجسر أول مرة قبل عام، كانت يدها التي تمسك السلك ترتجف. أما الآن، فاليد تتذكّر كل شيء.

اليد أصدق من العقل. وما ينمو على اليد، لا يستطيع الجمرك مصادرته.

ثلاثة

شمس سورابايا أكثر انحيازًا من شمس شيامن.

في الشهر الثالث بعد عودتها، ظهيرة يوم أربعاء، أتت سيارة الإسعاف حاملة بايو إلى قسم الطوارئ. أربعةٌ وخمسون عامًا، بائع فواكه متجول. وبينما كانوا يدفعون عربته إلى الداخل، كان لا يزال يسأل زوجته: أين وضعتِ المانجو التي بقيت من بيع اليوم؟

نظرت لين آن يا إلى تخطيط القلب نظرة واحدة: ارتفاعٌ في مقطع ST، احتشاءٌ واسع في الجدار الأمامي. جلطة قلبية حادة. الوعاء مسدود، والعضلة القلبية تموت قطعةً قطعة.

في شيامن، قال لها أستاذها ذات يوم: الوقت عضلة قلب، والوقت حياة.

في المستشفى غرفة قسطرة، وتجهيزات، لكن ما ينقصه هو شخصٌ يجرؤ على قول «الآن». في السابق، كان هؤلاء المرضى يُحوَّلون غالبًا إلى مستشفى آخر، فتجري سيارة الإسعاف على الطريق ثلاث ساعات، وبعضهم لم يصمد حتى نهايتها.

أنهت لين آن يا مكالمتين، ثم التفتت إلى ذوي المريض وقالت جملةً واحدة: نعمل الآن، وبأسرع ما يمكن.

أربعة

بزل، إدخال قسطرة، تصوير.

على الشاشة: الجزء القريب من الشريان النازل الأمامي، مساحةٌ سوداء لا تكاد تصبغ تدخلها. انسداد تام.

تقدّم السلك. مليمتر، ثم مليمتر. جعلت نَفَسَها خفيفًا كريح ذلك الفجر، كأن تشو هينغ يقف خلفها. غير أنه هذه المرة، لم يكن خلفها تشو هينغ؛ كان خلفها عامها كله.

لحظة عبور السلك المنطقة المسدودة، لم يصدر أي صوت. صمت العالم صمتَ ما لم يحدث شيء.

نُفخ البالون، وانفلتت الدعامة. جسرٌ معدني صغير انفتح داخل الوعاء، وأعاد إقامة النفق الذي انهار عليه الطريق.

اندفعت الصبغة جاحفةً، فأضاءت الأوعية البعيدة غصنًا فغصنًا، كنهرٍ بعد انحسار الفيضان، استعاد مكابِسَه مجرىً.

على شاشة المراقبة، عاد مقطع ST المرتفع، خانةً فخانة، إلى خط الأساس.

خارج الباب، كانت زوجة بايو تقبض على سُبحتها، وشفتاها لا تكفّان عن الحركة. ثم سمعت من الداخل نفَسًا خفيفًا، نفَسَ من أُلقيت عنه أغلالُه.

حين استيقظ بايو، قالت أولى كلماته: «المانجو ستنضج تمامًا بعد يومين، هلّا اتصلتَ بالجار ولو فاضل لبيعها نيابةً عني؟».

خمسة

يوم خروجه من المستشفى، أحضرت ابنة بايو شبكة مانجو وألصقتها بيدها في يد لين آن يا. ثمارٌ مصفّرة تمامًا، حلوة جدًا.

وضعت نموذج الدعامة على مكتبها. وحين يأتي الأطباء الشباب ليسألوها، ترفعه وتقول: «انظروا، أليس شبيهًا بجسر؟».

وبعد ذلك، وقّع مستشفى شيامن ومستشفى سورابايا اتفاقية تعاون رسمية. كل أسبوع، يقرأ الطرفان الصور الشعاعية ويناقشان الحالات عبر الشاشات؛ وحيانًا تبدأ عمليتان في الوقت ذاته، لا يفصل بينهما سوى ساعة فارق التوقيت. يذهب أطباء سورابايا الشباب إلى شيامن للتدريب، دفعة كل عام. وحين جاء تشو هينغ إلى سورابايا، وقف خلفها وراقبها وهي تُجري عملية كاملة من أولها إلى آخرها، ولم ينطق بكلمة. ولم يترك عند مغادرته سوى: «يداك مستقرّتان».

مساءً بعد انتهاء الدوام، كثيرًا ما تعود لين آن يا مشيًا من المستشفى، مارّةً على الشاطئ. ريح البحر مالحة، وهي الملح ذاته الذي تهبّ به الريح من اتجاه شيامن.

تتذكّر كلمات تشو هينغ: الحِرفة بيدٍ لا بلسان.

المعرفةُ مطبوعةٌ في الكتب، يمكن نسخها؛ أما المهارة فتنمو على اليد، لا تُنقل إلا من كائن حيّ إلى كائن حيّ. ما عادت به من الصين لم يكن صندوق كتب، بل مهارة تُعيد حياةً إلى حياة.

على البحر أن تُبنى الجسور، وفي الأوعية الدموية أيضًا. فمتى سالت الجسور الطريق، جرى الماء.

وبقيان الماء جاريًا، تبقى البذور تنبت.

(هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.)

مستوحى من قصة حقيقية

← السابق الأقحوان الأبيض وأريرانغ التالي → مصباحٌ مُضَاء