الأقحوان الأبيض وأريرانغ
أولاً: الأقحوان الأبيض
تُصفّ الأقحوانات البيضاء قبل طلوع الفجر.
تقع التلّة على منحدرٍ قرب مدينة يوكوهاما، وتتسلّق نسمة البحر من أسفل التلّ حاملةً ملحتها، فتُرجّج الأقحوانات البيضاء التي تغطي المنحدر، ترتجف ترجيجاً يشبه الإيماء. عمرك هذا العام ثمانٍ وثمانون عاماً، تبطئين عند الانحناء، وأبطأ عند القيام، لكن هذه المئة وخمساً وأربعين زهرة بيضاء، لن تدعي غيرك يصفّها. تطوعت فتاة صغيرة لمساعدتك ومدّت يدها، فلوّحتِ لها بيديك: «هذا العمل، لا بد أن أفعله بيديّ.»
زهرةٌ واحدة، إنسانٌ واحد. مئة وخمس وأربعون زهرة، مئة وخمس وأربعون إنساناً لم يعودوا إلى بيوتهم أبداً.
يداك ترتجفان منذ نحو عشر سنوات، حتى تحملين كوب الشاي تحتاجين إلى اليدين معاً. أما ترتيب الزهور فلا تخشينه، فالزهور لا تُعيب. خلفك، على مقعدٍ صغير قابل للطي، يوضع وعاء من الخزف الأبيض، على حافته شقّة صغيرة كأنها سنٌّ ساقطة. حين تنتهي من صفّ الزهور، تذهبين إلى البئر القديمة خلف المقبرة، فتملئين الوعاء ماءً عذباً، وتحملينه إلى النصب التذكاري، وتضعينه بهدوء.
هكذا كل عام. وهذا العام، هو العام الثالث عشر.
نصحك بعضهم: امرأة في نحو الثمانين، ماذا تسعين؟ ساقاك تضعفان عاماً بعد عام، ماذا تسعين؟ وابنتك تتصل في اليوم الأول من أيلول (سبتمبر) كل عام، لا تمنعك، لكنها تكرر مراراً: «أمي، على مهلك، إن لم تستطيعي الانحناء فلا تنحني.»
تقولين: «أمي انتظرت هذا اليوم، انتظرته عمرها كله.»
لم تفهم الفتاة الصغيرة التي تساعدك في صفّ الزهور، وسألت بخجل: «جدّتي، مَن تنتظرين؟»
لم تجيبي. استقامتِ ظهرك ونظرتِ إلى الأقحوانات البيضاء الملء المنحدر، نظرتِ إليها طويلاً.
هذه الحكاية لا بد أن تُروى من أولها. ومن أولها، يصير الكلام طويلاً. لا بأس، تطمئنين الفتاة الصغيرة، وتطمئنين نفسك—فالوقت مبكر بعدُ، والأيام ما زالت طويلة.
ثانياً: ماء البئر
وُلدت أمك عام ١٩٠٦. وفي الأول من أيلول عام ١٩٢٣، كانت في السابعة عشرة، تعمل متدرّبةً في نسيجٍ في بلدةٍ على أطراف يوكوهاما.
ظهراً، اهتزّت الأرض. ما سمّاه من جاؤوا بعد ذلك زلزال كانتو الكبير. انهارت البيوت، واشتعلت النيران، واحترقت ثلاثة أيام. لم يجرؤ أهل البلدة على العودة إلى بيوتهم، فحملوا الحُصر إلى شاطئ النهر ليناموا. قالت أمك: في تلك الأيام، حين رفعنا رؤوسنا إلى السماء، كناها حمراء، والرماد المتساقط كأنه ثلج، يهبط على الشعر ولا ينظّفه تتصفيفٌ ولا اكتراث.
لكن أخطر من انهيار البيوت والنيران كان الكلام. من مكانٍ لا يُعرف، انتشرت على كل لسان عبارة واحدة: الماء في الآبار مسموم. ثم قيل إن من أشعل النار غرباء، «ناسٌ يتكلمون لغةً أخرى». من أين انتشرت؟ لم يعرف أحد. قيل إن أحدهم رأى ظلاً غامضاً عند البئر، وقيل إن طفل إحداهنّ شرب الماء فوجع بطنه، وكلمة تتبع كلمة، حتى صارت تشبه الحقيقة كلما ازدادت. الإشاعات، أياً كانت، لها أرجل، وتختار أن تركض حين تكون القلوب أشدّ ارتباكاً، فتركض أسرع من القطار.
الجدّة أوك-سون، هي ذاك «الإنسان الذي يتكلم لغةً أخرى».
كانت تعمل عONAلة في مصنع التوفو في آخر البلدة، جاءت عابرة البحر من بلاد الشبه الجزيرة، وكان ذلك قبل سبع أو ثماني سنوات. الكيمتشي الذي تحضّره، كان رائحته تفوح في نصف الشارع. كان كلامها بنغمة مختلفة، وضحكتها عالية، وكانت تدندن وهي تعمل، تدندن لحنها الواحد، ليناً، كجريان الماء. كانت أمك وثيقة الصداقة بها، صداقة تبلغ أن تصيح أحدهما من نهاية الشارع فيجيب الآخر.
حين انتشر خبر تسميم الآبار، احتشد أهل البلدة حول الآبار لا يجرؤون على الشرب، حتى تشققت شفاههم من العطش. في ظهيرة اليوم الثالث، خرجت أوك-سون من الحوش الخلفي، وأمام مجموعة من الناس، ملأت وعاءً من ماء البئر، وشربت نصفه غصّةً غصّةً أولى، ثم مدّت الوعاء إلى أمك.
روت أمك هذا المشهد طوال عمرها. قالت: «كانت تشرب جرعة وتضحك، ثم تدفع الوعاء إلى يدي. أنا حملت ذلك الوعاء، ودموعي تتساقط فيه، ثم شربت مثله. كان الماء حلواً.»
ذلك الوعاء كان من الخزف الأبيض، على حافته شقّة صغيرة.
مع نهاية خريف تلك السنة، اختفت أوك-سون.
قالت صاحبة مصنع التوفو إنها عادت إلى وطنها. سألتها أمك عدة مرات، فلما شتدّ سؤالها، أغلقت الباب. ثم أُغلق مصنع التوفو نفسه، فلم يعد ثمة من تُسأل.
أين ذهبت في النهاية؟ لم تقل أمك، ولم تسألي أنت. بعض الأسئلة، ما إن تُطرح، حتى تُحطّم الحكاية.
لم تكن أمك تعرف الكثير من الحروف، ولا تستطيع أن تعبّر عن المبادئ، فقط كانت تكرر جملة واحدة: «كانت إنسانة صالحة. وكان الماء ماءً نقياً.»
ذاك الوعاء ذو الشقّة، حفظته أمك طوال عمرها، موضوعاً في أقصى الخزانة، وتنظّفه مرة في السنة. وكانت أمك تدندن أثناء عملها، تدندن لحن أوك-سون نفسه. سألتِها حين كنتِ صغيرة: أمي، ما هذه الأغنية؟ لم تتوقف يداها عن العمل، وقالت: «أغنية مشتاقٍ إلى وطنه. صاحبها عبر الجبل، وكان يلتفت كل خطوة ثلاثاً، يريد أن يلقي نظرة أخيرة على البيت.»
حين حضرت رحيل أمك، كنتِ في أوائل الخمسينات. أمسكت أمك بيدك، بيدٍ كانت تحتضن ذاك الوعاء، وقالت: «تشين-غي، ما زلت مدينةً بماء هذا الوعاء.»
لم تفهمي حينها الأمر كله. فكرتِ في نفسك: ما هو إلا وعاء ماء.
لم تكوني تعلمين أن هناك ديناً، بمجرد تدوينه، يبقى مئة عام.
ثالثاً: القائمة
درّستِ في مدرسة ابتدائية أكثر من ثلاثين عاماً، وفي يوم تقاعدك، صفّفتِ غبار الطباشير عن ثيابك، وظننتِ أن الأيام ستسير هكذا بسلاسة.
في عامك الرابع والسبعين، نُشر في الصحيفة خبر. يقول إنه في ذكرى المئة والتسعين عاماً، انتشل من النسيان تحقيقٌ سري قديم دفعه شؤون المحافظة، حروفٌ بيضاء على صفحات سوداء، توثّق ما جرى في خريف ١٩٢٣: سبع وخمسون حادثة، مئة وخمس وأربعون إنساناً. حدّقتِ في الصحيفة طويلاً، ثم بدأت يداك ترتجفان—ليس ارتجاف الشيخوخة، بل نغضٌ في قلبك شدّ عليه أحدٌ ما.
ذهبتِ إلى المكتبة واستعرتِ الكتيّب المطبوع من تلك الوثائق. سهرة كاملة.
في الكتيّب، منهم من له اسم ولقب. ومنهم من لا يزيد على سطر: «ذكر، في نحو الثلاثين.» ثم سطر آخر: «أنثى، برفقة طفل.» فأُنْ دون أسماء أكثر بكثير من أُنْ بأسماء. حياةٌ إنسانية، إن توثّقت، لم تكن إلا نصف سطر، بخطٍّ متعجّل، كأن كاتبه لم يجرؤ حتى على النظر إلى ما يكتبه طويلاً.
تذكّرتِ وعاء أمك. وتذكّرتِ كلامها: كانت إنسانة صالحة، وكان الماء ماءً نقياً.
عمرها أربعٌ وسبعون عاماً، وبكيتِ تحت الضوء كطفلة. ثم جفّفتِ وجهك، واتخذتِ قراراً: لا بد لشخصٍ ما أن يقرأ هذه الأسماء بصوتٍ عالٍ. أن تُقرأ، فحسب، يعني أنها محسوبة؛ ما دام أحدٌ يقرأها، فهم لم يختفوا حقاً.
وجدتِ السيد تاكاهاشي. معلّم تاريخ درّس عقوداً طويلة، شعره ابيضّ قبلك. اتفقتما فوراً، ثم جمعتما سبعة أو ثمانية من الجيران، وحول إبريق شاي، تعهّدتم بالأمر.
في السنة الأولى، عام ٢٠١٣، جاء ثلاثون شخصاً أو نحوها. لم تنمي جيداً في الليلة السابقة، خفتِ المطر، وخفتِ الفراغ، وخفتِ أكثر أن يسألك أحد: مضى عليها تسعون عاماً، لماذا نثيرها؟ وحين جاء اليوم، كان الجو صافياً. قرأتم الأسماء واحداً واحداً، وحين وصلتم إلى من لا اسم لهم، قرأتم كما في الكتيّب: «مجهول الاسم، رجل في نحو الثلاثين.» و«مجهولة الاسم، امرأة برفقة طفل.» كانت الريح تقلّب صفحات الورق خخخخخخاً، كأن أحدهم في الأسفل يجيب بهدوء.
لا تعرفين من كان، وضع أحدٌ أمام النصب حزمةً من الأقحوان الأبيض.
في السنة الثانية، صار الأقحوان الأبيض عادةً راسخة.
ولم يكن كل شيء مُطمئناً. في تلك السنوات، كان في الشوارع من يعلن المكبّرات شاتماً أولئك «الذين يتكلمون لغةً أخرى». مررتِ وسمعتِ مرة، فبرد نصف قلبك: إشاعة عمرها مئة عام، كيف عادت إلى الحياة؟ الإشاعة، إذن، لها أرجل، وتعرف السبات أيضاً. إذا برد الجو وارتبك القلب، صحا.
قال السيد تاكاهاشي بصراحة: «نحن لا نُجيد المشاجرة ولا الردّ. نحن نجيد شيئاً واحداً—نصعد التلّ كل عام ونقرأ الأسماء مرة. ليس صوتنا عالياً، لكنه موجود كل عام. ما دام أحدٌ يقرأ، فمعنى ذلك أن أحداً يتذكر؛ وما دام أحدٌ يتذكر، فالإشاعة لا تملك موطئ قدم.»
ثم ازداد القادمون عاماً بعد عام. منهم شيخٌ جاء متسنّداً إلى عصا، وطالب جاء بالقطار السريع، وفي سنةٍ جاء رجلٌ قال إن جده ترك للعائلة جملة واحدة تُروى: كان لجدّ جدّه صديق عابرٌ للبحر، «ذهب الرجل، وبقي أثره في البيت». وقف طويلاً أمام النصب، وعند مغادرته، وضع غصن أقحوان أبيض بانتظامٍ تامّ.
انظري، ماضٍ عمره مئة عام، ليس من لا يتذكره. لكن الذين يتذكرون، ظلوا يكتمون الكلام في أفواههم، منتظرين أن يبدأ أحدهم الحديث.
رابعاً: اللافتة
قبل سنوات، رافقتِ السيد تاكاهاشي في رحلة إلى كاواساكي.
هناك، يقيم المسنّون المقيمون من أصول شبه الجزيرة كل عام «مجلساً لاستذكار الأرواح». في السنة التي حضرتِ فيها، بلغ عدد المسنّين نحو المئة، كلّهنّ جدّات، شعرهنّ أبيض كله، وظهورهنّ مقوّسة كعلامات استفهام. كلّهنّ من الجيل الأول، عبرن البحر في شبابهنّ، وأصغرهنّ اليوم تجاوزت الثمانين، وأكبرهنّ في السادسة والتسعين.
فوق ساحة الاجتماع، كانت معلّقة لافتة، كتبها الجدّات بأيديهنّ:
لن ننساكم أبداً.
التي كتبتِها هي الجدّة سون-إي، ذات السادسة والتسعين. قيل لك إنها، حين كتبت اللافتة، أعادتها ثلاث مرات. في المرتين الأوليين ارتجفت يدها وانحرفت الحروف، فرفضت أن تقبلها: «حروفٌ تُهدى إلى الأوائل، لا يجوز أن تكون معوجّة.» في المرة الثالثة، سندت لها حفيدتان معصمها من الجهتين، فسارت البسملة والقلم ببطء. حين أنجزت السطر، غلّت الجدّة عرقاً، واتّكلت على ظهر الكرسي ضاحكة: «انتصبت الحروف أخيراً.»
في ذلك اليوم جلستم تحيطون بالشاي وتأكلون كعك الأرز. كانت الجدّات يتحدثن بنصف لغة الوطن ونصف لغة هذا البلد، ممزوجتين كعصيدة حبوب متعددة، يتصاعد بخارها. أمسكت إحداهنّ بيدك وقالت: «جيلنا، ما أن يغمض العين، حتى لا يتذكرنا أحد. لذلك علينا أن نكتب. أن يكتب، ليتمكّن الصغار من المواصلة.»
سألتِهنّ: كيف عرفن حكاية تلك السنة؟ نظرت الجدّات بعضهنّ إلى بعض، وقلن جميعاً: من أمّ، من جدّة. حكاية تلك السنة، مضغها الجيل السابق عمره كله حتى صار ناعماً، وأطعمن إياها ملقماً ملقماً؛ ثم حملنه تلك الكلمات، وعبرن البحر، وعشن عمراً كاملاً.
أدركتِ فجأة: إنكنّ وأنتنّ من صنفٍ واحد. لم تر أحدكنّ بعينها نار ذلك العام ١٩٢٣، لكن في حضائنكنّ جميعاً جمرةٌ أوصت بها إليكنّ الجيل السابق. هذه الجمرة لا يجوز أن تُترك. إن تُركت، نفضها الريح، فلا يبقى شيء حقاً.
عند الوداع، سحبت الجدّة سون-إي يدك إلى كفّها، وربّت عليها برفق مرتين. كان غمدها دافئاً، خفيفاً كورقة شجرة.
قالت: «حين نفنى جميعاً، عليكنّ أن تتذكرن.»
قلتِ: «جدّتي، أنا أتذكر.»
في قطار العودة، اتّكأتِ على النافذة ونظرتِ الحقول والبيوت طوال الطريق. فكرتِ: العمر الإنساني، إن حَفِظ صاحبه جملةً واحدة، لم يعش عبثاً.
خامساً: الرقصة
جاءتك كيم هاي-ران أول مرة في شتاء العام الماضي.
فتاة في نحو الثلاثين، وُلدت هنا وكبرت هنا، بلكنة محلية خالصة، مدرّسة رقص، ترقص الرقصات الشعبية. وهي، بالحساب، من الجيل الثالث للمقيمين من أصول شبه الجزيرة. سمعت بحكاية مجالسكم التذكارية، فجاءت إلى بابك، وأول ما قالت: «جدّتي، أريد أن أؤلّف رقصةً للمجلس التذكاري.»
قالت إن جدّتها، في حياتها، كانت تدندن لحنٌ وهي تطبخ، دندنته عمرها كله. سألتها صغيرة ما هذه الأغنية، فلم تفعل الجدّة سوى أن ابتسمت ولم تقل. وحين هرمت الجدّة واختلط عليها الحال، نسيت أسماء الجميع، حتى نسيت هي أيضاً، لكن ذاك اللحن بقيت تتذكره، وتدندنه وهي تحرّك الملاعق.
حين تدرّبت المجموعة، ذهبتِ لتشاهدين. قاعة تدريب صغيرة، مرآة، ومسجّل قديم.
لحظة ما بدأ الموسيقى، نهضتِ من كرسيك.
إنه ذلك اللحن. اللحن الذي دندنته أمك عمرها كله، اللحن الذي كانت تدندنه أوك-سون في مصنع التوفو. بحثتِ عنه ستين عاماً، وها هو اسمه «أريرانغ».
سألتِ كيم هاي-ران: «ماذا تقول هذه الأغنية؟»
فكرت قليلاً وقالت: «تقول الفراق، وتقول الحنين. إنسانٌ يزمع السفر في طريقٍ بعيد، وهو يعبر الجبل يلتفت بعد كل خطوة، يريد أن يلقي نظرة أخيرة على البيت.»
حكيتِ لها أهم ما في حكاية أمك، وحكاية أوك-سون، وذاك الوعاء. استمعت الفتاة بهدوء تام، ثم انحنت أمامك انحناءةً عميقة.
قالت: «جدّتي لم تحكِ حكايتها حتى احتضرت. أرقص للراحلين، وأرقص لها أيضاً.»
سألها أحدهم: أنتِ من الجيل الثالث، لماذا تحفظين هذه الأمور؟
جوابها هو الذي لا يزال في مسامعك حتى اليوم: «أغنية جدّتي ما زالت في حنجرتي، لا أستطيع التخلّي عنها. علاوة على ذلك، التذكر لا يوجع.»
في قاعة التدريب، انفتحت تنّورات بيضاء دوّارتها، كزهرةٍ تتفتّح ببطء بالغ. مدّت الأكمام، ثم عادت بلُطف، كمن يغطّي طرف لحاف أحدهم. نظرتِ من الأسفل وبلّت عيناك، لكن قلبك كان مضاءً—
انظري، الإحسان هذا، بعد ثلاثة أجيال، وبعد بحرٍ كامل، ما زال يجد طريقه إلى البيت.
سادساً: أريرانغ
في الأول من أيلول هذا العام، طلع الفجر صافياً.
مئتان وخمسة وتسعون شخصاً، صعدوا التلّ ببطء. منهم مسنّون على العصي، وأزواجٌ صغار يحملون أطفالهم على الظهر، ونوابٌ جاؤوا ببدلاتهم، وتلاميذ إعدادية في صفوف، ومن هذا البلد، ومن أبناء من عبروا البحر من شبه الجزيرة. قبل ثلاثة عشر عاماً، لم يكن على التلّ سوى ثلاثين كرسياً قابلاً للطي. واليوم لم تعد الكراسي تكفي، وتُضاف إليها كل عام.
بدأت المراسم، وقام الحاضرون واقفين، ودقائق صمت. توقفت الريح عند الأشجار، بلا حركة.
ثم جاءت قراءة الأسماء. تناوب المتطوعون، يقرأ كلٌّ مقطعاً. وحين وصلوا إلى من لا اسم لهم، قرؤوا وفق العادة القديمة: «مجهول الاسم، رجل في نحو الثلاثين.» كان التلّ ساكناً تمام السكون، لا يُسمع إلا صوت الريح تقلّب الصفحات، مرة، ومرة، كأن أحدهم يقلّص ببطء كتاباً سميكاً جداً.
جاء دورك. حملتِ ذاك الوعاء الخزفي الأبيض، ماءً عذباً يمتلئ، ومشيتِ إلى النصب، وانحوتِ ووضعتِه. كانت شقّة الحافة نحو الشرق، جهة البحر، الجهة التي جاءت منها أوك-سون، والجهة التي لم تدرك العودة إليها.
«قالت الإشاعة إن في البئر سُمّاً.» قلتِ وأنتِ تجاه النصب، بصوتٍ غير عالٍ: «ماء هذا الوعاء، نقٍّ. اشربوا مطمئنين.»
سمعتِ خلفك صوتَ نشيج.
وبدأت رقصة كيم هاي-ران مع الموسيقى. تنّور أبيض، أكمام بيضاء، خطواتٌ على ألواح الحجر، خفيفة كثلجٍ يهبط على ثلج. مدّت الأكمام فأخذتها الريح، ثم وضعتها بلُطف. مئتان وخمسة وتسعون شخصاً، لم يُصدر أحدهم صوتاً، حتى الأطفال في الأحضان لم يبكوا.
ثم، جاء الأطفال.
ثلاثون طفلاً أو نحوهم من جوقة المدرسة الإعدادية المجاورة، واقفين في صفيّن. تدربوا شهراً كاملاً على يودي معلّم الموسيقى، نغمةً نغمة. سأل صبيٌّ أثناء التدريب رافعاً يده: «معلّم، عمّ تتحدث هذه الأغنية؟» فقال المعلّم: «تتحدث عن إنسانٍ مزمعٍ السفر في طريقٍ بعيد، اشتاق إلى بيته وهو يعبر الجبل، يلتفت بعد كل خطوة.»
فتحت الأطفال أفواههم. أريرانغ، أريرانغ، أري-ريو:
أصواتهم الصافية الناصعة، تدفقت من التلّ، وجارت فوق مئة وخمس وأربعين زهرة أقحوان بيضاء، وفوق النصب، وفوق أسقف البيوت أسفل الجبل، نحو البحر.
أغمضت جدّةٌ مسنّة قادمة من شبه الجزيرة في الصف الأول عينيها، وكانت شفتاها تتحركان بخفة مع اللحن. وبجوارك، نزع السيد تاكاهاشي نظّارته ومسح زاوية عينه بظهر يده.
وأنتِ أيضاً بكيتِ. وقلتِ في قلبك: أمي، أتسمعين؟ اللحن الذي دندنتِه عمره كله، بعد مئة وثلاث سنوات، عبر الجبل، وعبَر البحر، والآن استقرّ في حناجر مجموعة من الصغار. الناس يرحلون، والأغنية تبقى. الأغنية تعيش أطول من الناس.
أخيراً، ألقى السيد تاكاهاشي كلمة. صار شعره كله أبيض هو الآخر. لم يحمل نصاً، وقال بضعة جمل فقط:
«كلام الكراهية، يبدو في المسامع كالريح، لكنه يخطو خطوةً خطوة إلى الأمام، وحين يصل إلى نهايته، يحرق الناس. قبل أكثر من مئة عام، شاهدنا بأعيننا وهو يصل إلى تلك النهاية. لذلك، حين تنتشر إشاعة، لا بد أن يكون هناك من يملأ وعاءً بماءٍ نقي، ويشربه أمام الجميع أولاً. نأتي كل عام، لا لشيء سوى أن نحفظ الحقيقة، وأن نقولها بوضوح. أن تُحفَظ الحقيقة فلا تتكرر، هذا هو المهم.»
كان تصفيق الحاضرين خفيفاً، منتظماً، كنسمة مطر صغيرة.
سابعاً: العام القادم
بعد انتهاء المجلس، جمع المتطوعون الكراسي. جلستِ على المقعد الطويل تلتقطين أنفاسك، وجاءتك الفتاة التي صفّت الزهور صباحاً بفنجان شاي ساخن.
انحنت أمامك، وترددت طويلاً، ثم سألت أخيراً: «جدّتي، ذلك الوعاء ذو الشقّة، لمن هو؟»
فحكيتِ لها. حكيتِ عن وعاء ماء بئر، وعن امرأةٍ شربت أولاً ثم مدّت الوعاء، وعن جملة «كانت إنسانة صالحة» رُويت عمراً كاملاً.
استمعت الفتاة، وسكتت طويلاً. وفي النهاية قالت: «جدّتي، العام القادم دعيني أنا أملأ الماء. علّميني.»
ضحكتِ: «حسناً. حبل البئر ثقيل، فاحمليه بيديك إحكام.»
«سأحمله إحكاماً!» انتصبت صدرها الصغير، ثم أضافت بخفوت: «وسأستطيع حمله سنواتٍ طويلة طويلة.»
مالت الشمس إلى الغرب، وتفرّق الناس تقريباً. طلبتِ من السيد تاكاهاشي أن يسبقك، وجلستِ وحدك قليلاً بعد ذلك. قامت نسمة البحر، فرجّجت الأقحوان الأبيض الملء التلّ ترجيجاً، كأنها تُيمي، وتلوّح، وتُجيب.
أمام النصب، الوعاء الماء، يعكس ألوان الشفق، بقعةً حمراء صغيرة، ثابتةً، لا يهزّها شيء.
تذكّرتِ كلام أمك، وكلام الجدّة سون-إي، وكلام كيم هاي-ران، وكلام السيد تاكاهاشي. كلماتهم متباينة، لكنها في الحقيقة كلمة واحدة:
الإشاعة تركض سريعة، لكنها لا تعيش طويلاً. ما يُحفَظ في الذاكرة، هو الذي يعيش طويلاً.
استندتِ إلى المقعد الطويل ونهضتِ ببطء. إن لم تستطيعي المشي العام القادم، فليدفع الصغار الكرسي المتحرك بك. على كل حال، لا بد أن يأتي الإنسان. لا بد أن تُقرأ الأسماء، وأن يُحمل الماء، وأن يتسلّم أحدٌ الأغنية مواصلةً.
انحنتِ نحو النصب انحناءةً خفيفة.
«إلى اللقاء العام القادم.» قلتِ.
والأقحوان الأبيض الملء التلّ، في الريح، يرجف، ويرجف، ويُيمي جميعاً معاً.
هذه الحكاية مقتبسة من وقائع حقيقية، وجميع الشخصيات بأسماء مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية